الأعلى

11٬589 مشاهدة
benbadis-1930

رائد النهضة العلمية والإصلاحية في الجزائر بقلم د. خالد النجار

رائد النهضة العلمية والإصلاحية في الجزائر
(1307هـ/1889م-1359هـ/1940م)

هو عبد الحميد بن محمد المصطفى بن المكي بن محمد كحول بن الحاج علي النوري بن محمد بن محمد بن عبد الرحمان بن بركات بن عبد الرحمان بن باديس الصنهاجي. ولد بمدينة «قسنطينة» يوم الأربعاء 11 ربيع الثاني (1307هـ) الموافق 4 من ديسمبر (1889م) الساعة الرابعة بعد الظهر، وسجل يوم الخميس 12ربيع الثاني (1307 هـ) الموافق 5 ديسمبر (1889م) في سجلات الحالة المدنية التي أصبحت منظمة وفي أرقى صورة بالنسبة لذلك العهد، كون الفرنسيين أتموا ضبطها سنة (1886م).
الجذور
كان عبد الحميد الابن الأكبر لوالديه، فأمه هي: السيدة زهيرة بنت محمد بن عبد الجليل بن جلول من أسرة مشهور بقسنطينة لمدة أربعة قرون على الأقل، وعائلة «ابن جلول» من قبيلة «بني معاف» المشهورة في جبال الأوراس، انتقل أحد أفرادها إلى قسنطينة في عهد الأتراك العثمانيين، وهناك تزوج أميرة تركية هي جدة الأسرة «ابن جلول» ولنسبها العريق تزوجها والده محمد بن مصطفى بن باديس (متوفى 1951م) الذي شغل منصب مندوبا ماليا وعضوا في المجلس الأعلى وباش آغا شرفيا، ومستشارا بلديا بمدينة قسنطينة ووشحت فرنسا صدره بميدالية « d’honneur Chevalier de la légion la légion »، وقد احتل مكانة مرموقة بين جماعة الأشراف، وكان من ذوي الفضل والخلق الحميد، ومن حفظة القرآن الكريم، ويعود إليه الفضل في إنقاذ سكان منطقة «واد الزناتي» من الإبادة الجماعية سنة (1945م) على إثر حوادث 8 مايو المشهورة، وقد اشتغل بالإضافة إلى ذلك بالفلاحة والتجارة، وأثرى فيهما.
أما إخوته الستة: الزبير المدعو المولود، العربي، سليم، عبد المليك، محمود وعبد الحق، والأختين نفيسة والبتول، فقد كانوا جميعا يحسنون اللغة الفرنسية باستثناء الأختين، وكان أخوه الزبير محاميا وناشرا صحفيا في صحيفة «صدى الأهالي» ما بين (1933 – 19340م). كما تتلمذ الأستاذ عبد الحق على يد أخيه الشيخ عبد الحميد بالجامع الأخضر وحصل على الشهادة الأهلية سنة (1940م) على يد الشيخ مبارك الميلي بعد وفاة الشيخ بن باديس بحوالي شهرين.
ومن أسلاف عبد الحميد المتأخرين جده لأبيه: الشيخ «المكي بن باديس» الذي كان قاضيا مشهورا بمدينة قسنطينة وعضوا في المجلس العام وفي اللجنة البلدية، وقد احتل مقاما محترما لدى السكان بعد المساعدات المالية التي قدمها لهم خاصة أثناء المجاعة التي حلت بالبلاد فيما بين (1862 – 1868م) ودعي إلى الاستشارة في الجزائر وباريس، وقد تقلد وساما من يد «نابليون الثالث» [تقلد رئاسة فرنسا من (1848-1852م) وإمبراطور من (1852-1870م)].
وعمه «حميدة بن باديس» النائب الشهير عن مدينة قسنطينة أواخر القرن التاسع عشر الذي اشترك مع ثلاثة من زملائه النواب في عام (1891م) في كتابة عريضة بأنواع المظالم والاضطهادات التي أصبح يعانيها الشعب الجزائري في أواخر القرن التاسع عشر الميلاد من الإدارة الاستعمارية والمستوطنين الأوروبيين الذي استحوذوا على الأراضي الخصبة من الجزائريين وتركوهم للفقر والجوع وقاموا بتقديمها إلى أحد أعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي الذي حضر إلى الجزائر من أجل البحث وتقصي الأحوال فيها كي يقدمها بدوره إلى الحكومة الفرنسية وأعضاء البرلمان الفرنسي في باريس وذلك بتاريخ 10 أبريل سنة (1891م) أي بعد ولادة عبد الحميد بن باديس بحوالي ثلاثة سنوات فقط.
أما من قبلهم من الأسلاف الذين تنتمي إليهم الأسرة الباديسية فكان منهم العلماء والأمراء والسلاطين، ويكفي أن نشير إلى أنهم ينتمون إلى أسرة عريقة في النسب كما يقول مؤلفا كتاب أعيان المغاربة المستشرقان « Mar-رضي الله عنه-he e-رضي الله عنه- Edmond Gouvion » والمنشور بمطبعة «فوناتانا» في الجزائر عام (1920م)، بأن ابن باديس ينتمي إلى بيت عريق في العلم والسؤدد ينتهي نسبه في سلسلة كعمود الصبح إلى بني باديس الذين جدهم الأعلى هو مناد بن مكنس الذي ظهرت علامات شرفه وسيطرته في وسط قبيلته في حدود القرن الرابع الهجري، وأصل هذه القبيلة كما يقول المستشرقان من «ملكانة أو تلكانة» وهي فرع من أمجاد القبيلة الصنهاجية العظيمة «البربرية» المشهورة في الجزائر والمغرب الإسلامي.
ومن رجالات هذه الأسرة المشهورين في التاريخ الذين كان الشيخ عبد الحميد بن باديس يفتخر بهم كثيرا «المعز لدين الله بن باديس» [حكم: 406-454 هـ/1016- 1062م] الذي أبعد النفوذ العُبيدي (الفاطمي) عن المغرب، وعمل على تنظيم انفصال المغرب الإسلامي سياسياً ومذهبياً عن الحكم العبيدي، وحارب الشيعة الرافضة في إفريقية، وحمل الناس على اعتناق المذهب السني، حيث قاوم البدعة ودحرها، ونصر السنة وأظهرها، وأعلن مذهب أهل السنة والجماعة مذهبًا للدولة، مؤسس الدولة الصنهاجية وابن الأمير «باديس بن منصور» والى إفريقيا والمغرب الأوسط [حكم: 373-386 هـ/984- 996م] سليل الأمير «بلكين بن زيري بن مناد المكنى بأبي الفتوح» والملقب سيف العزيز بالله الذي تولى الإمارة (361-373 هـ/971- 984م) إبان حكم الفاطمين.
وفي العهد العثماني برزت عدة شخصيات من بينها قاضي قسنطينة الشهير أبو العباس «حميدة بن باديس» (توفى سنة 969 هـ/1561م) قال عنه شيخ الإسلام عبد الكريم الفكون: «هو من بيتات قسنطينة وأشرافها، وممن له الريّاسة والقضاء والإمامة بجامع قصبتها، وخَلَفُ سلف صالحين علماء حازوا قصب السبق في الدراية والمعرفة والولاية، وناهيك بهم من دار صلاح وعلم وعمل».
وأبو زكريا «يحيى بن باديس بن الفقيه القاضي أبو العباس»، كان حييا ذا خلق حسن، كثير التواضع، سالم الصدر من نفاق أهل عصره، كثير القراءة لدلائل الخيرات ذا تلاوة لكتاب الله.
وأبو عبد الله «محمد بن باديس»، قال عنه الشيخ الفكون: «كان يقرأ معنا على الشيخ التواتي [محمد التواتي أصله من المغرب كانت شهرته بقسنطينة وبها انتشر علمه، كانت له بالنحو دراية ومعرفة حتى لقب بسيبويه زمانه، وله معرفة تامة بعلم القراءات] آخر أمره، وبعد ارتحاله استقل بالقراءة عليّا وهو من موثقي البلدة وممن يشار إليه».
والشيخ «أحمد بن باديس» الذي كان إماما بقسنطينة أيام «الشيخ عبد الكريم الفكون» خلال القرن الحادي عشر الهجري، السابع عشر الميلادي.
من هذه الأسرة العريقة انحدر عبد الحميد بن باديس، وكان والده بارًا به يحبه حبا جما ويعطف عليه ويتوسم النباهة وهو الذي سهر على تربيته وتوجيهه التوجيه الذي يتلاءم مع فطرته ومع تطلعات العائلة، كما كان الابن من جهته يجل أباه ويقدره و يبره. والحق أن «عبد الحميد» يعترف هو نفسه في آخر حياته بفضل والده عليه منذ أن بصر النور وذلك في حفل ختم تفسير القرآن سنة (1938م)، أمام حشد كبير من المدعوين ثم نشر في مجلة (الشهاب)، فيقول: «إن الفضل يرجع أولاً إلى والدي الذي ربّاني تربية صالحة ووجهني وجهة صالحة، ورضي لي العلم طريقة أتبعها ومشرباً أرده، وقاتني وأعاشني وبراني كالسهم وحماني من المكاره صغيراً وكبيراً، وكفاني كلف الحياة .. فلأشكرنه بلساني ولسانكم ما وسعني الشكر. ولأكلُ ما عجزت عنه من ذلك للَّه الذي لا يضيع أجر المحسنين».
الوسط الثقافي والفكري والدينية الذي تربى وترعرع فيه الشيخ ابن باديس
أولاً: الحالة الثقافية والفكرية في الجزائر قبل الاحتلال:
إن انتشار المدارس والمعاهد والزوايا في مختلف نواحي الجزائر خلال تلك الفترة، دليل على أن الحياة الفكرية والثقافية كانت مزدهرة بها.
وقد اشتهرت مدن قسنطينة والجزائر وتلمسان وبلاد ميزاب في الجنوب بكثرة المراكز التعليمية، وكان يقوم عليها أساتذة وعلماء مشهود لهم بعلو المكانة ورسوخ القدم في العلم والمعرفة، مثل الشيخ «الثميني» في الجنوب، والشيخ «الداوودي» في تلسمان، والشيخ «ابن الحفّاف» بالعاصمة، والشيخ «ابن الطبّال» بقسنطينة، والشيخ «محمد القشطولي» في بلاد القبائل، وغيرهم كثير ممن تفرّغوا للتدريس ونشر العلم.
وكان من نتائج هذا الانتشار الواسع لمراكز التربية والتعليم، أن أصبحت نسبة المتعلمين في الجزائر تفوق نسبة المتعلمين في فرنسا، فقد كتب الجنرال فالز سنة (1834م) بأن كل العرب الجزائريين تقريبًا يعرفون القراءة والكتابة، حيث إن هناك مدرستين في كل قرية… أما الأستاذ «ديميري»، الذي درس طويلاً الحياة الجزائرية في القرن التاسع عشر، فقد أشار إلى أنه قد كان في قسنطينة وحدها قبل الاحتلال خمسة وثلاثون مسجدًا تستعمل كمراكز للتعليم، كما أن هناك سبع مدارس ابتدائية وثانوية يحضرها بين ستمائة وتسعمائة طالب، ويدرّس فيها أساتذة محترمون لهم أجور عالية.
وقد أحصيت المدارس في الجزائر سنة (1830م)، بأكثر من ألفي مدرسة ما بين ابتدائية وثانوية وعالية.
وكتب الرحالة الألماني «فيلهلم شيمبرا» حين زار الجزائر في شهر ديسمبر (1831م)، يقول: «لقد بحثتُ قصدًا عن عربي واحد في الجزائر يجهل القراءة والكتابة، غير أني لم أعثر عليه، في حين أني وجدت ذلك في بلدان جنوب أوروبا، فقلما يصادف المرء هناك من يستطيع القراءة من بين أفراد الشعب».. وخير المثال ما شهد به الأعداء.
وقد برز في هذه الفترة علماء في كثير من العلوم النقلية والعقلية، زخرت بمؤلفاتهم المكتبات العامة والخاصة في الجزائر، غير أن يد الاستعمار الغاشم عبثت بها سلبًا وحرقًا، في همجية لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلاً.
يقول أحد الغربيين واصفًا ذلك: «إن الفرنسيين عندما فتحوا مدينة قسنطينة في شمالي أفريقيا، أحرقوا كل الكتب والمخطوطات التي وقعت في أيديهم، كأنهم من صميم الهمج».
يظهر مما ذكرنا أنه كان للجزائر مكانها المرموق بين أقطار المغرب في خدمة علوم العربية والإسلام، كما قدّمت للميدان أعلامًا من رجالها، حملوا الأمانة، وكانت تُشدُّ إليهم الرحال في طلب العلم.
ثانيً: الحالة الثقافية والفكرية والدينية أثناء الاحتلال:
يمكن تقسيم الفترة الممتدة من دخول الاستعمار إلى ظهور دعوة الشيخ عبد الحميد بن باديس إلى مرحلتين:
* المرحلة الأولى (1830-1900م):
لم تقتصر اعتداءات الاحتلال الفرنسي للجزائر على الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية فحسب، بل عمد إلى تدمير معالم الثقافة والفكر فيها، وقد ظهر حقده الصليبي في إصراره على تحطيم مقومات الأمة، وفي مقدمتها الدين الإسلامي واللغة العربية، معتمدًا في ذلك على ما يلي:
1 – مصادرة الأوقاف الإسلامية:
كان التعليم في الجزائر يعتمد اعتمادًا كبيرًا على مردود الأوقاف الإسلامية في تأدية رسالته، وكانت هذه الأملاك قد وقفها أصحابها للخدمات الخيرية، وخاصة المشاريع التربوية كالمدارس والمساجد والزوايا. وكان الاستعمار يدرك بأن التعليم ليس أداة تجديد خُلقي فحسب، بل هو أداة سلطة وسلطان ووسيلة نفوذ وسيطرة، وأنه لا بقاء له إلا بالسيطرة علىه، فوضع يده على الأوقاف، قاطعًا بذلك شرايين الحياة الثقافية.
جاء في تقرير اللجنة الاستطلاعية التي بعث بها ملك فرنسا إلى الجزائر يوم (7/7/1833م) ما يلي: «ضممنا إلى أملاك الدولة سائر العقارات التي كانت من أملاك الأوقاف، واستولينا على أملاك طبقة من السكان، كنا تعهدنا برعايتها وحمايتها…لقد انتهكنا حرمات المعاهد الدينيــة ونبشنــا القبــور، واقتحمنــا المنـازل التي لهـا حُرْمَتهـا عنـد المسلمين…».
2- التضييق على التعليم العربي:
أدرك المستعمر منذ وطئت أقدامه أرض الجزائر، خطورة الرسالة التي تؤديها المساجد والكتاتيب والزوايا، في المحافظة على شخصية الأمة. فلم تكن هذه المراكز قاصرة على أداء الشعائر التعبدية فحسب، بل كانت أيضًا محاضر للتربية والتعليم وإعداد الرجال الصالحين المصلحين، لذلك صبّت فرنسا غضبها عليها بشدة، فعمدت إلى إخماد جذوة العلوم والمعارف تحت أنقاض المساجد والكتاتيب والزوايا، التي دُمّرت فلم تبق منها سوى جمرات ضئيلة في بعض الكتاتيب، دفعتها العقيدة الدينية، فحافظت على لغة القرآن ومبادئ الدين الحنيف في تعليم بسيط وأساليب بدائية.
فقد حطم الفرنسيون في (18/12/1832م) جامع «كتشاوه»، وحوّلوه بعد تشويه شكله وتغيير وضعيته إلى كاتدرائية، أُطلق عليها اسم «القديس فيليب»، والشيء نفسه وقع لمسجد «حسن باي» بقسنطينة غداة سقوطها بأيديهم سنة (1837م).. هكذا اختفت كثير من الكتاتيب القرآنية ومدارس التعليم الإسلامي، التي كانت مزدهرة قبل الاحتلال الفرنسي. كما طالت يد الحقد الصليبي المكتبات العامة والخاصة، حيث أحرق جنود الجنرال «دوق دومـال» مكتبة الأمير عبد القادر الجزائري بمدينة «تاقدامت» في ربيع الثاني (1259هـ، 10مايو1843م)، وكان فيها من نوادر المخطوطات ونفائس المؤلفات ما لا يقدر بثمن، ونفس المصير واجهته معظم المكتبات الأخرى.
إن هذه الحرب الشعواء التي شنها الاستعمار على الدين الإسلامي واللغة العربية، جعلت التعليم في الجزائر يصل إلى أدنى مستوى له، فحتى سنة (1901) -أي بعد حوالي 70 سنة من الاحتلال- كانت نسبة المتعلمين من الأهالي لا تتعدى 3.8%، فكادت الجزائر أن تتجه نحو الفرنسة والتغريب أكثر من اتجاهها نحو العروبة والإسلام. وقد تأثرت الحياة الفكرية والدينية في هذه الفترة ببعض العوامل الأخرى، نذكر منها ما يلي:
أ- الطرق الصوفية: من الإنصاف أن نذكر هنا الدور الإيجابي الذي قامت به بعض الطرق الصوفية منذ بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر، فقد ساهمت بعض زواياها في نشر الثقافة العربية الإسلامية، كما قام كثير من رجالاتها بالتصدي للاستعمار والاستبسال في محاربته. فقد كان الأمير عبد القادر الجزائري راسخ القدم في التصوف، وكان الشيخ الحداد -أحد قادة ثورة القبائل الكبرى عام (1871م)- قد انتهت إليه مشيخة الطريقة الرحمانية في وقته، إلا أن كثيرًا من الطرق قد انحرفت في ما بعد عن الخط العام الذي رسمه مؤسسوها الأوائل، فكثرت عندها البدع والضلالات والخرافات، وتقديس القبور والطواف حولها، والنذر لها، والذبح عندها، وغير ذلك من أعمال الجاهلية الأولى. كما أنه كانت لبعض رجالاتها مواقف متخاذلة تجاه الاستعمار، حيث سيطرت هذه الطرق على عقول أتباعها ومريديها، ونشرت بينهم التواكل والكسل، وثبّطت هممهم في الاستعداد للكفاح من أجل طرد المحتل الغاصب، بدعوى أن وجود الاحتلال في الجزائر هو من باب القضاء والقدر، الذي ينبغي التسليم به، والصبر عليه، وأن طاعته هي طاعة لولي الأمر. بهذه الروح المتخاذلة والتفكير المنحرف، كانت بعض الطرق سببًا في إطالة ليل الاستعمار المظلم في البلاد من جهة، وتفرق صفوف الأمة وضلالها في الدين والدنيا من جهة أخرى.
ب- انتشار الجهل والأمية: لقد أدّت الثورات المتتالية التي خاضها الشعب ضد الاحتلال الفرنسي الغاشم، إلى فقدان الأمة لزهرة علمائها في ميدان الجهاد. كما أن كثيرًا من المستنيرين من حملة الثقافة العربية الإسلامية هاجروا إلى المشرق العربي، وإلى البلاد الإسلامية الأخرى، يتحيّنون الفرص للرجوع إلى الوطن وتطهيره من سيطرة الفرنسيين، كل ذلك ساهم في انتشار الجهل وتفشي الأمية بين أفراد الأمة، مما أثّر سلبًا على الحياة الفكرية في تلك الفترة.
ج- المدارس البديلة التي أنشأها الاستعمار: لم تفتح هذه المدارس في حقيقة الأمر من أجل تعليم أبناء الجزائر، ورفع مستواهم الثقافي، بل كان الاستعمار يقصد من وراء ذلك عدة أمور، منها:
– تجريد الشعب الجزائري من شخصيته العربية الإسلامية، ومحاولة إدماجه وصهره في البوتقة الفرنسية بإعطائه تعليمًا هزيلاً يجعله أسهل انقيادًا لسياسته.
– قتل الروح الوطنية التي أدت إلى اشتعال الثورات المتوالية، وجعل الشعب أكثر خضوعًا للاحتلال.
– إيجاد قلة متعلمة للاستفادة منها في بعض الوظائف التي تخدم الاحتلال.
فقد أنشأت فرنسا لهذا الغرض عدة مدارس ابتدائية، منها المدارس الفرنسوية الإسلامية ، في الجزائر العاصمة وبعض المدن الأخرى ابتداءً من سنة (1836م).
ولم تكن هناك مدارس للتعليم الثانوي والعالي إلا بحلول القرن العشرين، حيث فتحت «المدرسة الثعالبية» في عهد الحاكم الفرنسي «جونار» سنة (1904م)، رغم أن مرسوم إنشائها صدر منذ سنة (1850م).
د- هجر الأهالي للمدارس الفرنسية: كان الأهالي يتخوّفون كثيرًا من التعليم الرسمي المقصور على تعلّم اللغة الفرنسية وحضارتها، إذ رأوا فيه وسيلة خطيرة لفرنسة أبنائهم، فكان الإقبال على هذه المدارس ضئيلاً جدًا.. ومع عدم وجود المدارس الحرّة الكفيلة باحتضان أبناء المسلمين، فإن نسبة الأمية ارتفعت إلى درجة مذهلة، كما مر بنا آنفًا.
كل هذه العوامل ساهمت بطريقة أو بأخرى في انتشار الجهل والأمية بين أفراد الشعب، مما جعل الحالة الثقافية والفكرية والدينية في تلك الفترة تبعث على الحزن والأسى.
* المرحلة الثانية (1900-1914م):
الأمة الجزائرية هي قطعة من المجموعة الإسلامية العظمى من جهة الدين، وهي ثلة من المجموعة العربية، من حيث اللغة التي هي لسان ذلك الدين. فالأمة الإسلامية بهذا الدين وهذا اللسان وحدة متماسكة الأجزاء، يأبى الله لها أن تتفرق وإن كثرت فيها دواعي الفرقة، ويأبى لها دينها، وهو دين التوحيد، إلا أن تكون موحدة.
فعلى الرغم من الحصار الذي فرضته فرنسا على الجزائر لعزلها عن بقية الأقطار الإسلامية، خاصة تلك التي لم تُبْتَل بما ابتليت به من محاولة طمس دينها ولغتها، فإنه مع إطلالة القرن العشرين بدأت الجزائر تعيش حركة فكرية شبه متواصلة مع الأقطار الإسلامية الأخرى، سواء عن طريق الطلبة الذين ابتعثوا للدراسة في جامع الزيتونة والأزهر والجامعات الإسلامية الأخرى، أو عن طريق الدعوات الإصلاحية التي قامت في البلاد الإسلامية.
وهناك عوامل أخرى ساعدت على قيام هذه الحركة الفكرية، كتلك البوادر الإصلاحية الفردية التي قام بها في الجزائر بعض العلماء المتفاعلين مع حركة الإصلاح الإسلامي.. ولعل مما ساعد على قيام هذه النهضة أيضًا، تولي المسيو «شارل جونار» الولاية العامة في الجزائر.
وهنا نلقي بعض الضوء على جانب من تلك العوامل التي ساهمت في ظهور وانتعاش النهضة الفكرية في الجزائر:
1- عودة الطلبة الذين درسوا في الخارج:
وأقصد بهم الطلبة الذين درسوا في جامع الزيتونة، وجامعة القرويين، والأزهر، وفي الحجاز والشام. ساهم هؤلاء المثقفون بعد عودتهم إلى الوطن بجهود عظيمة في النهوض بالحياة الفكرية والدينية، بما أثاروا من همم وأحيوا من حمية، وبنوا من مدارس في مختلف أنحاء الوطن، وبما أصدروا من صحف، معتمدين في ذلك على كتاب الله وسنة رسوله ، فأصلحوا العقائد، وصححوا المفاهيم، ونقّوا الأفكار من رواسب البدع والخرافات التي علقت بها، وأحيوا الشعلة التي أخمدها الاستعمار في نفوس الأمة..ويوم اسوداد المآزم وتلاحم الخطوب، أعادوا ذكرى أسلافهم في الصبر والصمود.. ومن هؤلاء الرواد الذين ساهموا في إثراء هذه النهضة الفكرية الإسلامية بالجزائر نذكر:
– الشيخ عبد القادر المجاوي (1848-1913م): تخرج الشيخ المجاوي من جامعة القرويين بمدينة فاس، ويعتبر من العلماء القلائل الذين كانوا على رأس الحركة الإصلاحية في الجزائر، [فلا تجد واحدًا من هؤلاء المصلحين في الربع الأول من هذا القرن إلا وهو من تلامذته].. خرّج أفواجًا كبيرة من المدرسين والأئمة والوعاظ والمترجمين والقضاة، كان من بينهم الشيخ «حمدان الونيسي» أستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس.. وقد ترك الشيخ المجاوي آثارًا علمية كثيرة في اللغة والفلك والعقيدة، نذكر منها: كتاب «الدرر النحوية»، «الفريدة السنيَّة في الأعمال الحبيبية»، «اللمع في إنكار البدع»، وغيرها مما يضيق المقام بسردها.
ومن بين رواد النهضة الإسلامية في تلك الفترة أيضًا العلامة:
– الشيخ عبد الحليم بن سماية (1866-1933م): يعتبر الشيخ ابن سماية في مقدمة الأفاضل الذين أمدوا هذه النهضة بآثار فضلهم، ومن أوائل المصلحين الجزائريين، ومن رفاق الشيخ المجاوي في التدريس، كما يعدّ من أوسع علماء عصره علمًا وثقافة…فقد تخرّج على يديه جيل من المثقفين مزدوجي الثقافة، وخلّف مؤلفات كثيرة منها كتاب «فلسفة الإسلام».
ومما تجدر الإشارة إليه هنا، أن أغلب أعضاء البعثات العلمية التي ذكرنا سابقًا، قد ظهر تأثيرهم على الحياة الفكرية والحركة الإصلاحية بشكل ملحوظ، في العقدين الثالث والرابع من هذا القرن خاصة، مثل: الشيخ عبد الحميد بن باديس، والشيخ محمد البشير الإبراهيمي، والشيخ مبارك بن محمد الميلي، وغيرهم.
2- الحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي:
كان للدعوة التي قادها الإصلاحيون في العالم الإسلامي أثرا كبيرا في نشر الفكر الإصلاحي السلفي في الجزائر، فرغم الحصار الذي ضربه المستعمر لعزلها عن العالم الإسلامي، زار الشيخ «محمد عبده» الجزائر عام (1903م)، واجتمع بعدد من علمائها، منهم الشيخ محمد بن الخوجة، والشيخ عبد الحليم بن سماية، كما ألقى في الجزائر تفسير سورة العصر. وقد كان لمجلة العروة الوثقى ومجلة المنار، تأثيرا كبيرا على المثقفين من أهل الجزائر، الذين اعتبروا دروس العقيدة التي كانت تنشرها «المنار» للشيخ محمد عبده، بمثابة حبل الوريد الذي يربطهم بأمتهم.
وقد استمر الاتصال الفكري بين الجزائر وغيرها من البلاد الإسلامية ولم ينقطع، فقد شارك الشيخ عمر بن قدور بقلمه في جريدة «الحضارة» بالآستانة، و«اللواء» و«المؤيد» بمصر سنة (1914م)، وقد كانت هذه الجرائد والمجلات تدعو إلى نهضة العرب والمسلمين، وكانت رائجة في بلاد المغرب والجزائر خاصة.
ويعترف الفرنسيون بأن هناك مجرى سريًا، ولكنه غزير ومتواصل، من الصحف والمجلات الشرقية التي أعانت المغاربة في مجهوداتهم الإصلاحية، وجعلتهم مرتبطين أبدًا بالرأي العام العربي.
3- ظهور الصحافة العربية الوطنية في الجزائر:
ظهرت في الجزائر خلال تلك الفترة صحافة وطنية عربية، ساهمت مساهمة فعالة في بعث النهضة الفكرية والإصلاحية الحديثة. فقد عالجت في صفحاتها كثيرًا من الموضوعات الحساسة، منها: الدعوة إلى تعليم الأهالي، وفتح المدارس العربية لأبناء المسلمين، والتنديد بسياسة المستعمرين واليهود، ومقاومة الانحطاط الأخلاقي والبدع والخرافات.
فهذا الأستاذ «عمر راسم» يجلجل بآرائه في غير مواربة ولا خوف، فيقول: «أجل، يجب أن نتعلم لكي نشعر بأننا ضعفاء.. يجب أن نتعلم لكي نعرف كيف نرفع أصواتنا في وجه الظلم.. يجب أن نتعلم لكي ندافع عن الحق، وتأبى نفوسنا الضيم، ولكي نطلب العدل والمساواة بين الناس في الحقوق الطبيعية، وفي النهاية لكي نموت أعزاء شرفاء ولا نعيش أذلاء جبناء».
كما ظهر في هذا الميدان كتّاب شاركوا بمقالاتهم وتحليلاتهم في تشخيص الداء الذي ألمّ بالأمة، واقتراح الدواء الناجع لذلك، من هؤلاء الشيخ المولود بن الموهوب، والشيخ عبد الحليم بن سماية، والأستاذ عمر بن قدور وغيرهم.
4- تولي «شارل جونار» الولاية العامة في الجزائر:
على الرغم من أن المسيو «جونار» فرنسي نصراني، إلا أن وصوله إلى منصب الحاكم العام في الجزائر، كان له أثرا كبيرا على الحياة الفكرية في تلك الفترة. يُذكر أن هذا الأخير شجّع إحياء فن العمارة الإسلامية، وبعْث التراث المكتوب، والتقرّب من طبقة المثقفين التقليديين، وتشجيعهم على القيام بمهمتهم القديمة، كإقامة الدروس في المساجد ونحوها، كما اهتم بالتأليف ونشر الكتب العلمية وكتب التراث، مما كان له أثر هام على الحياة الثقافية في الجزائر.
وقد أشرف «جونار» على فتح المدرسة الثعالبية سنة (1904م)، بجوار مقام في حي «القصبة» بالعاصمة الجزائرية، وندب اثنين من الشيوخ للتدريس ونشر العلم بها، كما أمر بنشر كتابين هامين، أحدهما كتاب: «تعريف الخلف برجال السلف»، الذي صنّفه الشيخ أبو القاسم الحفناوي وطبعه سنة (1907م)، والكتاب الثاني: «البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان»، لابن مريم الشريف التلمساني، الذي تولى إعداده للنشـر الأستاذ «محمد ابن أبي شنب»، المدرِّس بالمدرسة الثعالبية الدولية، وطبع سنة (1908م) برعاية المسيو «جونار».
هذه باختصار أهم العوامل التي ساعدت على قيام تلك الحركة الفكرية الإصلاحية بالجزائر، في الفترة التي ظهر فيها الشيـخ عبد الحميد ابن باديس.
وبهذا العرض المتواضع، تتضح لنا طبيعة الوسط الثقافي والفكري الذي تربى وترعرع فيه الشيخ ابن باديس، ويبقى أن نتعرف على شخصية الشيخ وأسرته ونشأته، ورحلاته، وشيوخه، ومكانته العلمية.

المجتمع الجزائري في عصر ابن باديس
إن البربر شعوب متعددة القبائل، تنتهي في رأي النسابة إلى جذرين أصليين: «البرانس» و «البتر»، وينتهي البرانس والبتر معًا إلى «مازيغ ابن كنعان»، من نسل حام بن نوح، عليه السلام، ويذكر ابن خلدون أنهم -البربر- من بني برّ بن قيس بن عيلان، وهي قبيلة مضرية، فهم إذن ساميون عرب، وكان دينهم دين المجوسية.
ومع وصول قوافل العرب الفاتحين في القرن الأول الهجري، بدأ المغاربة يدخلون في دين الله أفواجًا، وكان لهؤلاء الفاتحين الأوائل، أمثال عقبة بن نافع وأبي المهاجر دينار، دورا عظيما في نشر الإسلام في تلك الربوع، كما ترك موسى بن نصير سبعة عشر فقيهًا بالمغرب، وأرسل عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- بعثة إلى المغرب تضم عشرة من فقهاء التابعين.
وقد ثبت الأمازيغ على عقيدة الإسلام بعد فترة قصيرة من الزمن، فما كاد ينتهي القرن الأول إلا وهم ثابتون على عقيدة الإسلام.
وما الجهـود التي قدمها «البربر» في فتح الأندلس بقيادة طارق ابن زياد البربري، إلا دليل على وجود مد إسلامي قوي بينهم. وامتزج العرب والبربر مع مرّ القرون، وتكوّن منهم جنس، أُمُّهُ الجزائر وأَبُوهُ الإسلام، كما يحلو للإمام ابن باديس أن يصفهم، إذ يقول: «إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ، وحّد بينهم الإسلام منذ بضعة عشر قرنًا، ثم دأبت تلك القرون تمزج بينهم في الشدة والرخاء، حتى كوّنت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصرًا مسلمًا جزائريًا، أمّه الجزائر وأبوه الإسلام».
وقد أقبل البربر على دين الله، وتشرّبوا وأُشربوا حُبه، وتثقفوا بثقافته، وتحصنوا بعقيدته، فأصبحوا ركنًا من أركانه يذودون عنه باللسان والقلم والسيف.
واليوم لا يمكن التمييز بين هاتين الطائفتين أبدًا، فلا طرائق المعيشة ولا اللغة يمكن أن يستخلص منها أساس لمثل هذا التمييز، ناهيك عن عقيدة التوحيد التي ألّفت بين قلوبهم.
ولقد اتضحت آيات اتحادهم جلية، وبرهن الشعب الجزائري في أحلك الأوقات أنه شعب واحد، لا يرضى بغير الإسلام دينًا، فهبّ منذ وطئت أقدام المستعمر بلاده يقاوم ويحارب جحافل الغزاة.
النشأة
نشأ «عبد الحميد» في أحضان أسرة عريقة في العلم والجاه، وفي بيتها الكريم ترعرع معززا مكرما، لا ينقصه شيء من متاع الحياة الدنيا، وكان أبوه حريصا على أن يربيه تربية إسلامية خاصة؛ فلم يُدخله المدارس الفرنسية كبقية أبناء العائلات المشهورة، بل أرسل به للكتاب القرآني ككل الأطفال بالطريقة المألوفة المعروفة وهو في الخامسة من عمره، فحفظ القرآن وتجويده على يد الشيخ المقرئ «محمد بن المدَّاسي» وعمره لم يتجاوز الثالثة عشرة سنة، ونشأ منذ صباه في رحاب القرآن فشب على حبه والتخلُّق بأخلاقه. ولشدة إعجابه بجودة حفظه، وحسن سلوكه، قدمه ليصلي بالناس التراويح في رمضان بالجامع الكبير وعمره إحدى عشر سنة ليتعود على تحمل المسئولية، وقبله المصلون رغم صغر سنه وبقي يؤمهم ثلاثة أعوام.
تلقى مبادئ العلوم العربية والإسلامية بجامع سيدي محمد النجار على مشائخ من أشهرهم العالم الجليل الشيخ «أحمد أبو حمدان الونيسي» ابتداء من عام (1903م) الذي حبب إليه العلم، ووجهه الوجهة المثلى فيه، وهو من أوائل الشيوخ الذين لهم أثر طيب في اتجاهه الديني.
وفي سنة (1908م) عزم أستاذه الشيخ «الونيسي» على الهجرة إلى المشرق العربي حين ضاق ذرعا بالحياة تحت وطأة الحكم الفرنسي الطاغي، ولشدة تعلق عبد الحميد بأستاذه قرر السفر معه أو اللحاق به مهاجرا في طلب العلم، غير أن أباه لم يوافقه على ذلك ووجهه إلى طلب العلم في تونس.
حياته الزوجية
تزوج الشيخ عبد الحميد بن باديس في سن مبكرة وهو لا يتجاوز الحادية عشرة من عمره حين تم عقد زواجه في 8 مارس (1901م) بإحدى قريباته ابنة عمه «اليامنة بنت ابن باديس»، ولما بلغ الخامسة عشرة من عمره دخل بيت الزوجية في حدود (1904م).
أنجب عبد الحميد بن باديس من هذا الزواج المبكر ولدا سماه «إسماعيل»، ظل الابن يدرس على يد أبيه حتى حفظ القرآن، وقبل أن يوجهه أبوه لطلب العلم، توفي في حادث مفاجئ ببندقية صيد في ضيعة جده، إذ يقال إنه كان يتجوّل بالمزرعة شاهد أحد حراس المزرعة يعلق بندقيته المعبأة بالرصاص في جذع شجرة. فحملها إسماعيل بكل براءة وراح يلهو بها فخرجت رصاصة قاتلة استقرت بصدر الصغير، وذلك في 19من رمضان عام (1337هـ-1919م) .
وهناك بالمدينة الكبيرة كان الشيخ عبد الحميد بن باديس يقدم دروسه لتلامذته داخل المسجد عندما تقدم منه أحد أصدقائه وأسرّ له الخبر المحزن، فأكمل الدرس حتى نهايته ثم انفرد في زاوية خاصة وراح يُذرف الدموع، وتكرر نفس المشهد عندما توفي شقيقه «سليم»، وكان حينها أيضا في حلقة تدريس.
أما زوجته لم تستمر معه طيلة حياته حيث طلقها عندما طلبت أن تقيم وحدها بعيدا عن أسرة والده، وكان هو يريد أن يبقيها ضمن أفراد عائلة أبيه حتى تتوفر لديه الحرية أكثر في الحركة والنشاط، لأنه كان يقضي جل وقته في الدرس والخطابة والكتابة خارج البيت، وبدخوله عالم الدعوة لم يعد يزور البيت إلا نادرا، مما أثار حفيظة الزوجة التي غادرت بيت أهل بن باديس، وعندما رجع ولم يجدها رفض رغم إلحاح والده الذهاب لإحضارها. وانتظر عدة أيام وعندما تأكد من عدم رجوعها للبيت لفظ كلمة الطلاق ورفض العودة عن قراره رغم محاولات أهل الزوجين وأكثر من ذلك رفض الزواج ثانية.

تعليمه بجامع الزيتونة:
نظرا لما كان يبدو على «عبد الحميد» من فطنة ونباهة وميل إلى الجد في فترة التعلم التي سبقت ذهابه إلى تونس، حرص أبوه على إرساله إلى جامع الزيتونة ليكمل تعليمه ويوسع معارفه، فسافر إلى تونس في نفس العام الذي هاجر فيه أستاذه «الونيسي» (1908م) إلى المشرق تاركا الزوجة والولد في كفالة والديه، وسنه إذ ذاك تسعة عشرة عاما.
وبعد ثلاث سنوات من الجد والاجتهاد تحصل على شهادة التطويع [كما كانت تدعى حين ذاك] عام (1911م) وقد نجح في امتحان التخرج نجاحا باهرا، إذ حصل على الرتبة الأولى ضمن قائمة جميع الناجحين في تلك الدورة، وكان الطالب الجزائري الوحيد الذي تخرج في دفعة تلك السنة من الجامع المعمور وذلك بناء على وجوده في رأس قائمة الناجحين التي نشرتها جريدة «المشير» التونسية، وأقام أثناء دراسته بمدرسة «النخلة» الكائنة بنهج الكتيبة رقم 11 قرب جامع الزيتونة، وكان يسكن بها أحد شيوخه وهو المرحوم «سعد السطيفي» وبقي بعد التخرج سنة أخرى يُدرس ويَدرس على عادة المتخرجين في ذلك العهد.
والملفت للانتباه أن نظام الدراسة في الزيتونة قبل السنة التي التحق فيها «عبد الحميد» (1908م) أن المّدة التي يقضيها الطالب لنيل أعلى شهادة هي سبع سنوات، ولكن يسمح للطالب المتمكن – بعد إجراء امتحان له – أن يتجاوز سنوات ويوضع في الصف الذي يؤهله له هذا الامتحان، غير أنه في السنة التي سافر فيها «عبد الحميد» ألغي هذا النظام، فأدى ذلك إلى إثارة طلاب الزيتونة، فتراجعت إدارة الجامع عن المرسوم، وأجّلت تطبيقه إلى السنة الموالية مما أتاح لعبد الحميد فرصة الالتحاق بالسنة الخامسة – بعد أن أجري له امتحان – فلم يدرس في جامع الزيتونة إلا ثلاث سنوات نال بمقتضاها الشهادة، والسنة الرابعة قضاها مدرسا.
وهناك في تونس خلال المدة التي قضاها في التعلم تعرف على كبار العلماء، وأخذ عنهم الثقافة العربية الإسلامية، وأساليب البحث في التاريخ والحياة الاجتماعية، من أمثال الشيوخ: «محمد الطاهر بن عاشور» شيخ الإسلام الذي درس عليه ديوان الحماسة للبحتري، والعلامة الصدر «محمد النخلي القيرواني» الذي درس عليه التفسير، والعلامة الخضر بن الحسين الطولقي الجزائري التونسي الذي تلقى عليه المنطق وقرأ عليه كتاب التهذيب فيه، ومحمد بلحسين النجار بن الشيخ المفتي محمد النجار، والشيخ محمد الصادق النيفر قاضي الجماعة الذي أخذ على يده الفقه، والبشير صفر ألمع المؤرخين والمصلحين التونسيين في القرن العشرين، وكان لكل واحد من هؤلاء تأثير خاص في جانب من جوانب شخصية ابن باديس.
وقد عرف ابن باديس أثناء دراسته في الزيتونة بالنشاط، وكان يتميز بحب الاطلاع الواسع، كما يبدو من خلال اتصالاته ببعض العلماء خارج الزيتونة حيث كان يحضر بعض الدروس غير المقررة في برنامج الزيتونة فهو يخبرنا إنه حضر على الشيخ «خضر بن الحسين» دروسه في تفسير البيضاوي في داره بباب منارة في تونس.
فقد تأثر كثيرا ببعض المشايخ الذين وجد في آرائهم وأفكارهم وأساليب تعليمهم ما يلائم طبعه وتطلعه، وميله إلى الاجتهاد واستعمال العقل، مثل الشيخ محمد النخلي القيرواني الذي كان دائما يذكره ويثني على منهجه في التدريس، كما تأثر ببعض الأفكار الإصلاحية التي بدأت تروج في تونس بعد زيارة محمد عبده لها.
عودته من تونس:
عاد الشاب «عبد الحميد» إلى بلاده يحمل شهادة التطويع «العالمية» فاستقبله أبوه في محطة القطار كما يستقبل العلماء والأعيان، كان مغتبطا أشد الاغتباط بنجاحه وبعودته، ولما انتهيا إلى المنزل صاح الأب بأم البنين: «آن لك أن تزغردي يا أم عبد الحميد، فقد عاد ابنك عالما ليرفع من قيمة عائلته وأمته، ويزيدهما مجدا وشرفا»، فأطلقتها الأم زغرودة عالية دوت أصداؤها في أرجاء البيت الفسيح، وقد أثر هذا الاستقبال في «عبد الحميد» أيما تأثير، فقد ظل يذكره بكثير من الاعتزاز.
فقد حدث طلابه ذات يوم -في أواسط الثلاثينات- عن ذلك الاستقبال، واستشهد على ذلك بشواهد منها تقدير أبيه له، وفرحة أمه والزغرودة التي عبرت بها عن هذه الفرحة والتي كانت تعبيرا صادقا عن فرحة العائلة، «إن تلك الزغرودة التي قابلتني بها أمي يوم عدت من تونس ما تزال ترن في أذني، ولن أنساها ما حييت».
بعد ذلك بدأ «عبد الحميد» نشاطه بالتفرغ للتعليم المسجدي في الجامع الكبير بقسنطينة، فباشر بعقد حلقات دراسية مثل التي شهدها في تونس وإلقاء دروس لبعض الطلبة من كتاب «الشفاء» للقاضي عياض، أما العامة فكان يقدم لهم دروسا في الوعظ والإرشاد، غير أن مدّة تعليمه في الجامع الكبير لم تظل، لأن مفتى المدينة الشيخ «المولد بن الموهوب» الإمام الخطيب بهذا الجامع، منعه من مواصلة التدريس، بحجة أنه لا يملك إذنا بذلك، والحقيقة أن الشاب عبد الحميد رُخِّص له في ذلك، فقد اتصل والده بوالي عمالة قسنطينة، وسعى له في الحصول على إذن بالتدريس في الجامع الكبير، فأذن له ولكنه إذن شفوي، ولما شرع الشاب في التدريس اعتبر الشيخ بن الموهوب هذا العمل اعتداء على سلطته، لأنه لم يُستشر في ذلك، واعتبره تدخلا سافرا فيما هو من اختصاصه، لأن والد الشاب حتى وإن كان نائبا ساميا في عدة دوائر انتخابية ومالية على مستوى البلدية والعمالة والوطن، وله مكانته، إلا أنه رجل سياسة لا دخل له في أمور الدين.
هذا الأمر أثار حساسية ابن الموهوب، ومن هنا بدأت المواجهة بينه وبين المعلم الشاب، الذي لم يكن هدفه سوى نشر المعرفة وخدمة بلاده، فكانت دروسه ثورة على البدع والخرافات ونبذ العصبيات مما حرك عقول الناس وكان عاملا على تنبيههم من حالة الاحتلال والجهل، فسعى الشيخ المفتي في منع المدرس الشاب من التدريس بل تمادى، فكلف المفتي من يشوش عليه، ويطفئ المصابيح وقت الدرس، ولكن الشاب عبد الحميد لم يستسلم، وكلف طلابه أن يحضروا الشموع ليدرسوا تحت ضوئها، وقابل المفتي عناد هذا الشاب المدرس بتصرف آخر، فأمر أحد اتباعه «الحاج القريشي» بالتصدي له ومنعه، فجاء وأطبق دفتي الكتاب أمام المدرس عبد الحميد، وأطفأ الشموع، وكادت تقع فتنة بينه وبين الطلاب، داخل المسجد ولكن المعلم المؤدب أخمد الفتنة وهدّأ طلابه، فصرفهم وأمرهم بترك الجامع والدرس.
تأثر الفتى عبد الحميد لمعاملة مفتي المدينة وحامي حمى الإسلام فيها، ولم تمضِ سوى مدة قصيرة حتى عزم على أداء فريضة الحج، ففاتح أباه في الموضوع وأبدى رغبته في الذهاب إلى البقاع المقدسة لأداء مناسك الحج، فقبل والده ووافقه، وهيأ له الأسباب التي تمكنه من تحقيق هذه الرغبة.
رحلته إلى الحجاز وبعض العواصم العربية:
منّ اللَّه على عبد الحميد أداء فريضة الحج عام (1331هـ= 1913م). وبعد أداء مناسك الحج والعمرة زار المدينة المنورة وأقام بها، وفي أثناء إقامته بها لقي أستاذه الأول الذي درس عليه في قسنطينة «الشيخ الونيسي» الذي هاجر إلى المدينة المنورة وأقام بها، وتعرف على بعض العلماء ومن رفقاء أستاذه مثل: الشيخ حسين أحمد الفيض أبادي الهندي، والشيخ الوزير التونسي، وألقى بحضورهم درسا في الحرم النبوي الشريف، فأعجبوا به إعجابا شديدا مما لفت الأنظار إليه.
وفي هذه الأثناء أبدى رغبته في البقاء بالمدينة إلى جوار أستاذه «الونيسي» فرحب الأستاذ بهذه الفكرة ورغبه فيها، لما يعرف من أوضاع بلده. لكن الشيخ حسين أحمد الهندي لم يوافقه على ذلك، بل نصحه بضرورة العودة إلى وطنه لخدمة بلاده ومحاولة إنقاذها مما هي فيه، بما توسم فيه من حزم وعزم وصلاح، فاقتنع الشاب عبد الحميد بوجهة نظر هذا الشيخ، وقبل نصيحته وقرر الرجوع إلى الوطن، عند ذاك حذره أستاذه «الونيسي» من أن يكون عبدا للوظيفة، لأنه تأكد أن الحكومة ستعرض عليه الوظائف، قال له «أحذر أن تقبل الوظيفة الحكومية، فهي قيد لك، يحدّ من نشاطك»، وأخذ عليه عهدا أن لا يقبل الوظيفة، ولا يتخذ علمه سلما للأغراض المادية والأطماع الدنيوية، فعاهده تلميذه على ذلك، ووفى بهذا العهد .
وقد حرص «عبد الحميد» في هذه الرحلة على الاتصال بالمفكرين والعلماء للتحاور معهم والاطلاع على أحوال المسلمين ومقارنتها بأحوال بلاده، ودفعه هذا الاتصال إلى التفاعل مع الحركة الإصلاحية التي انتشرت على يد الشيخ محمد عبده وتلميذه رشيد رضا، متأثرين بالحركة السلفية التي انتشرت في الحجاز.
وخلال الفترة التي قضاها في المدينة المنورة تعرف إلى شاب جزائري في مثل سنه عالم وأديب، هو الشيخ «محمد البشير الإبراهيمي» المقيم مع والديه في المدينة، أقام معه مدة تعارفا فيها وتحاورا معا في شأن الخطة الإصلاحية التي يجب أن تضبط لعلاج الأوضاع المتردية في الجزائر، واتفقا على خدمة بلادهما متى عادا إليها.
وقد ذكر الشيخ البشير الإبراهيمي أنهما لم يفترقا طيلة الأشهر الثلاثة التي قضاها ابن باديس بالمدينة، فكانا يقضيان الليل كله يحللان أوضاع الجزائر، ويحددان شروط ووسائل نهضتها. ولم يكن أيّ منهما يدري أن هذا اللقاء الذي تم خارج الوطن ستكون له ثمار طيبة وسيصبح هذا العالم الشاب المهاجر إلى المدينة رفيق دربه في الكفاح و النضال بعد الرجوع إلى الوطن في العشرينات.
وفي طريق عودته من الحجاز عرّج على الشام (دمشق وبيروت) وزار المسجد الأقصى، وتوقف بمصر ولقي في الإسكندرية كبير علمائها الشيخ «أبا الفضل الجيزاوي» الذي أصبح من بعد شيخا للأزهر، فتعارفا وتذاكرا وأجازه، وفي القاهرة لقي مفتي الديار المصرية الشيخ «محمد بخيث المطيعي» رفيق محمد عبده، والمدافع عن فكرته بعد وفاته، وكان الشاب عبد الحميد يحمل للشيخ رسالة من أستاذه «الونيسي» فأحسن استقباله، ودعاه إلى زيارته في منزله بحلوان القريبة من القاهرة. وبعد تعرف الشيخ على الشاب جيدا أجازه هو أيضا. هكذا استطاع أن يلم بأطراف من العالم العربي، ليعرف ما فيه، زيادة عما كان يعرفه في الجزائر وتونس.
العودة إلى الوطن والشروع في الإصلاح:
آمن «ابن باديس» بأن العمل الأول لمقاومة الاحتلال الفرنسي هو التعليم، وهي الدعوة التي حمل لواءها الشيخ محمد عبده، في مطلع القرن الرابع عشر الهجري، وأذاعها في تونس والجزائر خلال زيارته لهما سنة (1321هـ= 1903م)، فعمل ابن باديس على نشر التعليم، والعودة بالإسلام إلى منابعه الأولى، ومقاومة الزيف والخرافات، ومحاربة الفرق الصوفية الضالة التي عاونت المستعمر.
وبمجرد أن عاد إلى بلده شرع على الفور في تنفيذ خطوات المشروع المتكامل الذي كان قد بدأه قبل سفره إلى الحجاز والذي يرتكز على العمل الإصلاحي من خلال نشر التعليم وتربية الأجيال، وحتى لا يتكرر ما حدث بينه وبين الشيخ ابن الموهوب، استصدر له أبوه رخصة رسمية من والي عمالة «قسنطينة» تسمح له بأن يدرس بالمجّان في «الجامع الأخضر» أحد المساجد الثلاثة الجامعة في المدينة التي تشرف عليها الحكومة.
وهكذا بدأ التدريس هذه المرة وفي يديه إذن قانوني، يخوّل له ذلك، فنظّم دروسا لعامة الناس، وأخرى خاصة بالطلبة الوافدين يلقى بعضها في الجامع الأخضر وبعضها في مسجد «سيدي قموش»، لا يتقاضى على عمله من الحكومة ولا غيرها أجرا. وكان من دروسه العامة تفسير القرآن، ظل يلقيه حتى انتهى منه بعد خمسة وعشرين عامًا، فاحتفلت الجزائر بختمه في 13 من ربيع الثاني (1357هـ= 1938م). والحديث النبوي الشريف من الموطأ حتى ختمه في أواسط ربيع الثاني عام (1358هـ = 1939م).
أما الدروس الموجهة للطلبة فتختلف حسب مستوى كل طبقة، ويركز فيها على العلوم الدينية واللغوية والتاريخ الإسلامي والتوحيد والمنطق وغير ذلك من العلوم التي تدخل في تكوين الطالب.
ويُعدّ الجانب التعليمي والتربوي من أبرز مساهمات ابن باديس التي لم تقتصر على الكبار، بل شملت الصغار الذي بلغوا سن التعلم، ولم يجدوا مكانا لهم في المدارس الحكومية، أو الذين يدرسون في هذه المدارس ولكنهم بحاجة إلى تعلم لغتهم ومعرفة دينهم وتاريخهم، فأسس سنة (1926م) أول نواة للتعليم الابتدائي الحر «مكتب» أي مدرسة، رفقة جماعة من الفضلاء السيد العربي والسيد عمر بن مغسولة، حيث اشتريا مسجد سيدي بومعزة، والبناء المتصل به، وكان فوق بيت الصلاة محل للسكنى بالكراء فأزالاه عن ذلك، وأبقياه محلا فارغا، فجعل محل «المكتب»، وأطلق عليه اسم «المكتب العربي»، وأسند إدارته إلى أحد طلاب «ابن باديس» الأوائل هو الشيخ «مبارك الميلي» بعد تخرجه من جامع الزيتونة، ثم انتقل إلى بناية الجمعية الخيرية الإسلامية التي تأسست سنة (1336هـ/1917م) لاتساعها.
وفي سنة (1349هـ/1930م) ثم تطوّر المكتب إلى مدرسة جمعية التربية والتعليم الإسلامية، وتكونت هذه الجمعية من عشرة أعضاء برئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس. وقد هدفت الجمعية إلى نشر الأخلاق الفاضلة، والمعارف الدينية والعربية، والصنائع اليدوية بين أبناء المسلمين وبناتهم، ويجدر بالذكر أن قانون الجمعية نصّ على أن يدفع القادرون من البنين مصروفات التعليم، في حين يتعلم البنات كلهن مجانًا.
وكوّن ابن باديس لجنة للطلبة من أعضاء جمعية التربية والتعليم الإسلامية، للعناية بالطلبة ومراقبة سيرهم، والإشراف على الصندوق المالي المخصص لإعانتهم، ودعا الجزائريين إلى تأسيس مثل هذه الجمعية، أو تأسيس فروع لها في أنحاء الجزائر. وقد أثرت هذه الجهود التي انطلقت في مجال التعليم المدرسي الحّر بقسنطينة في بعض الجهات الأخرى فقام المخلصون فيها بإنشاء مدارس للتعليم القومي في تلك الفترة، ومن أشهر هذه المدارس التي أدت دورا مهما «مدرسة الشبيبة الإسلامية بمدينة الجزائر» من عام (1927) إلى أن استولت عليها الإدارة الاستعمارية.
وحثّ ابن باديس الجزائريين على تعليم المرأة، وإنقاذها مما هي فيه من الجهل، وتكوينها على أساسٍ من العفة وحسن التدبير، والشفقة على الأولاد، فقد خصها بدروس في مدرسة التربية والتعليم مرّة في الأسبوع طيلة خمس سنوات الأخيرة من حياته، كما قام بترغيب زملائه العلماء أن يقوموا بمثل ذلك في مدنهم وقراهم، فساروا على نهجه. ولما امتلأت المدارس بالبنات، وأتممن تعلمهن بالمرحلة الابتدائية، هيأ لهن الشيخ ابن باديس الطريق إلى المشرق العربي وبالضبط إلى سوريا سنة (1939م) ليتممن تعليمهن الثانوي والعالي بمدرسة «دوحة الأدب» لكن لم يكتب لهذه الخطوة النجاح بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية صيف هذه السنة، ثم عاجلته المنية، فتعطل المشروع تماما.
أما البنين فقد قسموا إلى أربع طبقات حسب مستوياتهم، والذين ينهون دراستهم عنده يوجه القادرين منهم لإتمام دراستهم في تونس بجامع الزيتونة، وكان من طلائع طلابه النبغاء: مبارك الميلي، والسعيد الزاهري، والهادي السنوسي، ومحمد بن العابد والسعيد الزموشي، وابن عتيق، والفضيل الورتلاني، وآخرون كثيرون منهم من اكتفى بما تعلمه عليه، ومنهم من واصل دراسته في الزيتونة حتى شهادة التطويع.
لم يكتفي «عبد الحميد بن باديس» بالدروس التي كان يقدمها أو يشرف عليها، بل كان يقوم في العطلة الصيفية، وفي أيام الراحة الأسبوعية بجولات استطلاعية في القطر يتعرف فيها على أحوال البلاد والعباد، ويلقى الدروس في المساجد، وحيثما تيسر له، ويعلن عن نشاطه التربوي، وعن الدروس العلمية التي يتلقاها الطلبة في قسنطينة حتى يبين الفائدة المرجوة منها لمن يشاء الالتحاق بها، ويطلب من شيوخ الزوايا الذين يحضرون دروسه ومحاضراته أن يرسلوا أبناءهم وطلابهم للتعلم عليه في قسنطينة، هكذا وبهذا الأسلوب الإعلامي تنامي عدد طلابه من مختلف جهات الوطن، وخاصة عمالة قسنطينة، وأصبحوا يفدون على الجامع الأخضر، وعلى دروس الشيخ في مختلف المواد.
كما شارك ابن باديس في محاولة إصلاح التعليم في جامع الزيتونة بتونس، وبعث بمقترحاته إلى لجنة وضع مناهج الإصلاح التي شكّلها حاكم تونس سنة (1350 هـ/1931م)، وتضمن اقتراحه خلاصة آرائه في التربية والتعليم، فشمل المواد التي يجب أن يدرسها الملتحق بالجامع، من اللغة والأدب، والعقيدة، والفقه وأصوله، والتفسير، والحديث، والأخلاق، والتاريخ، والجغرافيا، ومبادئ الطبيعة والفلك، والهندسة، وجعل الدراسة في الزيتونة تتم على مرحلتين: الأولى تسمى قسم المشاركة، وتستغرق الدراسة فيه ثماني سنوات، وقسم التخصص ومدته سنتان، ويضم ثلاثة أفرع: فرع للقضاء والفتوى، وفرع للخطاب والوعظ، وفرع لتخريج الأساتذة.

شخصية ابن باديس وعوامل تكوينها:
نفضل هنا أن نترك ابن باديس يحدثنا عن العوامل التي أسهمت في تكوين شخصيته، كما يذكرها هو في ختام حفلة التكريم التي خصه بها إخوانه العلماء وتلاميذه بمناسبة الاحتفال بختم تفسيره للقرآن، قال رحمه الله:
«أنا رجل أشعر بكل ما له أثر في حياتي وبكل من له يد في تكويني، وإن الإنصاف ليدعوني أن أذكر في هذا الموقف بالتمجيد والتكريم كل العناصر التي كان لها الأثر في تكويني حتى تأخذ حظها مستوفى من كل ما أفرغتم علي من ثناء ومدح .. وإني أشهد أن هذا التحفي عسير علي، ثقيل علي حمله. فلعلي إذا ذكرت هذه العناصر توزعت حصصها من التنويه، وتقاضت حقوقها من الثناء، الذي أثقلتم به كاهلي، فأكون بذلك قد أرضيت ضميري، وحففت على نفسي.
1 – إن الفضل يرجع أولا إلى والدي الذي رباني تربية صالحة، ووجهني وجهة صالحة، ورضي لي العلم طريقة أتبعها، ومشربا أرده، وقاتني وأعاشني، وبراني كالسهم، وراشني، وحماني من المكاره صغيرا وكبيرا، وكفاني كلف الحياة فلأشكرنه بلساني ولسانكم ما وسعني الشكر.
2 – ثم لمشائخي الذين علموني العلم، وخطوا لي مناهج العمل في الحياة، ولم يبخسوا استعدادي حقه، وأذكر منهم رجلين لهما الأثر البليغ في تربيتي، وفي حياتي العملية، وهما من مشائخي اللذان تجاوزا بي حد التعلم المعهود إلى التربية والتثقيف، والأخذ باليد إلى الغايات المثلى في الحياة؛ أحد الرجلين: الشيخ حمدان الونيسي القسنطيني، وثانيهما: الشيخ محمد النخلي القيرواني المدرس بجامع الزيتونة المعمور.
وإني لأذكر لأول وصية أوصاني بها، وعهدا عهد به إلي، وأذكر ذلك العهد في نفسي ومستقبلي وحياتي، فأوجدني مدينا لهذا الرجل بمنة لا يقوم بها الشكر، فقد أوصاني وشدد علي أن لا أقرب الوظيفة ما حييت، ولا أتخذ علمي مطية لها، كما كان يفعله أمثالي في ذلك الوقت.
وأذكر للثاني كلمة لا يقل أثرها في ناحيتي العلمية عن أثر تلك الوصية في ناحيتي العملية، وذلك أني كنت متبرما بأساليب المفسرين وتأويلاتهم الجدلية في كلام الله، ضيق الصدر من اختلافهم فيما لا اختلاف فيه من القرآن .. فذاكرت يوما الشيخ النخلي فيما أجده في نفسي من التبرم والقلق، فقال لي: «اجعل ذهنك مصفاة لهذه الأساليب المعقدة، وهذه الأقوال المختلفة، والآراء المضطربة يسقط الساقط، ويبقي الصحيح وتستريح» فوالله لقد فتح عن ذهني آفاقا واسعة عهد له بها.
3 – ثم لإخواني العلماء الذين آزروني في العمل من فجر النهضة إلى الآن، فمن حظ الجزائر السعيد، ومن مفاخرها التي تتيه بها علي الأقطار أنه لم يجتمع في بلد من بلدان الإسلام (اليوم) فيما رأينا وسمعنا وقرأنا مجموعة من العلماء، وافرة الحظ من العلم، مؤتلفة القصد والاتجاه، مخلصة النية، متينة العزائم، متحابة في الحق، مجتمعة القلوب على الإسلام والعربية، قد ألف بينها العلم والعمل ،مثلما اجتمع للجزائر في علمائها، فهؤلاء هم الذين وري بهم زنادي، وتأثل بطارفهم تلادي، أطال الله أعمارهم، و رفع أقدارهم.
4 – ثم لهذه الأمة الكريمة المعوانة على الخير، المنطوية على أصول الكمال التي – ما عملت يوما – علم الله – لإرضائها لذاتها، و إنما عملت وما أزال أعمل لإرضاء الله بخدمة دينها ولغتها، ولكن الله سددها في الفهم، وأرشدها إلى صواب الرأي، فتبينت قصدي على وجهه، وأعمالي على حقيقتها، فأعانت ونشطت بأقوالها وأموالها، وبفلذات أكبادها، فكان لها بذلك كله من الفضل في تكويني العملي، أضعاف ما كان لتلك العناصر في تكويني العلمي.
5 – ثم الفضل أولا وأخيرا لله ولكتابه الذي هدانا لفهمه، والتفقه في أسراره، والتأدب بآدابه، وإن القرآن الذي كون رجال السلف لا يكثر عليه أن يكون رجالا في الخلف، لو أحسن فهمه و تدبره، وحملت الأنفس على منهاجه».
وبهذا فإن شخصية ابن باديس شخصية متعددة الجوانب متنوعة المواهب، فقد توفرت لها مؤهلات من النادر أن تجتمع في شخصية واحدة.
فهو: عالم ورع وفقيه في أمور الدين، مساير لمقتضيات العصر وظروف الحياة، معلم موهوب، مجدد في أساليب التعليم، وصاحب مذهب في تفسير كتاب الله، وزعيم من زعماء الفكر الإصلاحي والنضال السياسي، له آراء ومواقف في الدين والأخلاق والسياسة، ثم هو كاتب بارع وخطيب بليغ وشاعر وإن كان مقلا وصحافي ناجح.
ومن يتتبع حياته ويدرس جوانب شخصيته يلمس بوضوح هذه الجوانب المختلفة فهو يجمع إلى جانب القدرة على الكتابة البليغة الهادفة والخطابة المؤثرة وقول الشعر الوطني، الإمامة في العلم والدين، والزعامة في النضال السياسي والإصلاح الاجتماعي يزين كل ذلك سعة الاطلاع، وعمق التفكير، ومتانة في الخلق، واستقامة في السلوك وذكاء حاد، ووعي كامل بمشكلات العصر، وإدراك شامل لوضعية شعبه، وما ينبغي أن يكون عليه إذ أخذ بأسباب الحياة – كان رحمه الله – قائد ركب ومحرر شعب، لقد صحح مفاهيم الحياة الإسلامية التي اهتزت بعنف أمام ضربات الاستعمار المتتالية، في وقت ساد فيه الجهل، وعم فيه الجمود، وانتشرت الخرافة وانحطت كرامة الإنسان العربي، وأهدرت قيمة المسلم، وزاد ابن باديس هذه المفاهيم تحديدا ووضوحا بسلوكه المثالي، وتفكيره المتزن والمتوازن، وبحكمته وحنكته مع التوفيق الإلهي الذي كان يسند حركته ،فعاد النور الهادي من جديد يضيء الطريق للسالكين خلف القائد الملهم.
وهكذا الأغنياء في قوة الودعاء ووداعة الأقوياء، فكان الرجل الذي أجمع الجميع على حبه وتقديره، وحتى الأعداء الذين كانوا يحاربونه، كانوا مع ذلك يجلونه ويهابونه.

الجانب الفلسفي في تفكير ابن باديس:
يمكننا القول إن الفلسفة التي نستطيع أن ننسبها إلى ابن باديس ليست الفلسفة التي يجنح فيها العقل إلى التصورات المجردة، والتأملات الحاملة، والمسائل النظرية البحتة، التي لا تتصل بواقع مجتمعه ولا تسهم في حل مشكلا ت واقع هدا المجتمع، وإنما الفلسفة التي نستطيع أن ننسبها إليه، ونجعلها جانبا من تفكيره هي الفلسفة العملية، التي يستطيع أن يترجمها الإنسان إلى واقع الحياة، ويعيش حقائقه؛ الفلسفة التي يتطابق فيها القول مع الفعل، والاعتقاد مع السلوك، ويتكامل فيها التصور النظري مع الممارسات العملية، الفلسفة التي تبحث في الحقائق التي يعيشها الإنسان، ويكون منطلقها واقع المجتمع، وأساسها روح الإسلام وأصوله، وغايتها تحرير المجتمع من كل أشكال الظلم والتخلف والتسيب، والتي تستهدف في مناهجها إعادة تشكيل الشخصية الجزائرية، التي أصبها الوهم، نتيجة ظروف الانحطاط، وسياسة الاستعمار.
إن الفلسفة التي تطبع تفكير ابن باديس فلسفة واقعية تنبع من تفكير إنسان واع، مرتبط بوطنه، وملتزم بحقائق دينه، مستوعب أسباب معاناة بلاده، متطلع إلى معايشة عصره، فلسفة تلح على تمتين الصلة بين الفكر والعمل، والمزواجة بين النظرية والتطبيق، هذه بعض سمات التفكير الباديسي، إنها سمات تمتزج فيها الجوانب الدينية والسياسية، والأخلاقية والعلمية والوجدانية والعقلية، ولكن السمة البارزة في هذا التفكير هي السمة الدينية المطعمة بالنزعة العقلية، باعتبار العقل «ميزة الإنسان وأداة عمله» كما يقول ابن باديس، والعقل من ناحية أخرى هو القوى الروحية التي بها يكون التفكير والنظر.
وتجدر الإشارة إلى الطابع المميز لتفكير ابن باديس الذي تجسده آراؤه وأفكاره ومواقفه التي صار عليها في حياته، وبن على أساسها مشاريعه الإصلاحية، وشكل منها منهجا اعتمده في معالجة أوضاع مجتمعه وبرنامجه التعليمي، وهي كما نرى فلسفة عملية أكثر منها نظرية، وتعالج الأمور التي استحوذت على تفكير الإنسان بمنطق الواقعية، لأنها فلسفة تستمد روحها من روح الإسلام وأصوله، وتجعل هدفها تجسيد هذه الأصول وتقريبها من الناس، والاستفادة منها، وتصحيح المفاهيم، والاعتقادات، وتهذيب السلوك الفردي والاجتماعي، ودفع الناس إلى الإسهام في تغيير واقعهم، وتحسين ظروفهم، ليكونوا أهلا للاستخلاف الذي استخلفه الله في أرضه.
السمات المميزة لتفكير ابن باديس:
إن المتتبع لأراء ابن باديس في الدين والسياسة والأخلاق والعلم والتربية، وفي القضايا الوطنية والثقافية التي ترك لنا فيها آثار مكتوبة يجد أنها آراء نابعة من فكر إنسان ملتزم بحقائق دينه وتاريخ أمته، ونهج سلفه، ومتفاعل مع واقع مجتمعه وحقائق عصره، ومتفتح على أفكار غيره، حريص على بعث يقظة فكرية وسياسية في نفوس الأجيال، تعيد للأمة عزتها وللعروبة والإسلام مجدهما، وللوطن كرامته وحريته، وتبعث في الشباب روح العزم على التغيير وإرادة البناء لتخليص الوطن من المحن التي أصابته.
إن القراءة المتمعنة في هذه الآراء تقودنا إلى استخلاص السمات المميزة للتفكير الباديسي، تلك السمات التي تبين لنا أن تفكير ابن باديس تفكير عقلاني متفتح من جهة، وسلفي ملتزم من جهة ثانية، والسلفية عنده لا تعني تقليدا أعمى للأوائل ولا تقديسا للماضي من حيث هو ماض، وإنما تعني اتباعا للنهج الذي رسمه الإسلام، وسار عليه رسول الإسلام  وصحابته رضوان الله عليهم…النهج الذي اتبعه الأئمة المجتهدون الذين فهموا حقائق الإسلام، واستلهموها في اجتهاداتهم وأحكامهم، وفي معالجة الأمور التي طرأت على مجتمعاتهم.
السلفية عنده لا ترفض معايشة العصر، والتفتح على علومه، والاستفادة من كل ما يمكن المجتمع من مسايرة الركب الحضاري، كما لا ترفض الرجوع إلى العقل في معالجة الأمور دون أن يكون في ذلك ما يمس جوهر العقيدة و يتضارب مع حقائق الإسلام.
هذا التزاوج في تفكير ابن باديس بين التفتح العقلي على الحياة المعاصرة والالتزام بالأصول الدينية الصحيحة هو تزاوج مستمد من تفكير إسلامي كما أسلفنا.
لأن التفكير الإسلامي الأصيل يقوم على التوازن والتكامل بين الجوانب العقلية التي وظيفتها التدبر والتأمل والاستدلال، وبين الجوانب الروحية الوجدانية التي وظيفتها الإيمان والامتثال والالتزام، إذ البحث العقلي واجب الإنسان المسلم، وقد شرح ابن رشد هذا التواؤم بين العقل والدين، أو بين الحكمة والشريعة في كتابه «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال»
وأوضح أن ما يؤدي إليه البحث العقلي لا يخالف ما قرره الشرع يقول: «إذا كانت الشريعة حقا، وداعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق، فإن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له» وكل ما في الأمر أنه يجب على المفكر الذي يتصدى إلى البحث في العقائد وأمور الدين .. أن يستوفي شروط البحث من ذكاء الفطرة، والعدالة الشرعية. وفي هذا الصدد يقول ابن تيمية: «المعقول الصريح لا يخالف المنقول الصحيح».
هذا هو النهج الذي استلهمه ابن باديس في بناء اتجاهه الفلسفي، ومن هنا نتبين أن تفكير ابن باديس -كما يصفه محمد الميلي- كان تفكيرا أصيلا، يجمع إلى العقلانية المتحررة الإيمان بالقيم الإسلامية.
وقد يبدو هذا الاتجاه غريبا بالنظر إلى ثقافته التقليدية وقراءاته الدينية، والبيئة العائلية المحافظة التي نشأ فيها، لولا أن هناك عوامل أسهمت في بروز هذا الاتجاه، وقد أشار الأستاذ محمد الميلي إلى بعضها وهي كما يلي:
1- معايشة ابن باديس الأوساط المحتكة بالتيار الثقافي الغربي، مما جعله يلاحظ عن كثب العوامل التي كانت سببا في تفوق الغرب وتقدمه، ولعل هذا هو الذي جعله لا يتردد في الدعوة إلى الأخذ بأسباب التقدم وطلب المعرفة بأية لغة، ومن أي مصدر.
2- التأثير المزدوج في ثقافته والذي يرجع إلى دراسته في تونس: تأثير التيار العصري التاريخي ممثلا في الشيخ «البشير صفر»، أحد مشايخه، وتأثير التيار الإسلامي التقليدي الإصلاحي ممثلا في الشيخ «محمد النخلي»، الذي كان له الفضل في توجيه عقله فيما يقرأ، وزوال الغشاوة التي كانت على ذهنه من التقليد.
3- الآثار التي تركتها أفكار محمد عبده وشكيب أرسلان، وغيرهم ممن كان لهم فضل في بعث اليقظة الفكرية في الشرق العربي، التي انتقلت آثارها بشكل غير مباشر إلى المغرب العربي، وأثرت في علمائه، وفي اتجاهات الإصلاح عندنا.
ابن باديس الفقيه المجتهد:
مما عرف به ابن باديس أنه فقيه أصولي مجتهد، جامع لشروط الإمامة والفتوى، عالم بمذاهب أهل السنة والجماعة، عارف بمقتضيات الحياة، متطلع في المذهب المالكي، وفي معرفة أحوال مجتمعه، إذ لم يكن فقيها تقليديا يكتفي بالتعامل مع ظاهر النصوص، إنما كان يعمل فكره ويجتهد في تحليل القضايا التي تعرض لحياة الناس وفق الظروف التي يعيشونها.
وله عدة آراء اجتهادية في الدين تتمثل في الآتي:
أولا: رأيه في تجنس المسلم بالجنسية الفرنسية: تنص الفتوى بتكفير كل مسلم جزائري أو تونسي أو مغربي يتنازل عن قانون الأحوال الشخصية الإسلامية باختياره، وبتجنس بالجنسية الفرنسية للتمتع بالحقوق المدنية، قال ابن باديس: «ما أكثر ما سئلنا عن هذه المسألة، وطلب منا الجواب في الصحف، ومن السائلين رئيس المتجنسين الأستاذ التركي (الذي لم يجد من يفته في تونس) وكاتبنا برسالتين، فأدينا الواجب بهذه الفتوى:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وآله: التجنس بجنسية غير إسلامية يقتضي رفض أحكام الشريعة الإسلامية، ومن رفض حكما واحد من أحكام الإسلام عدَّ مرتدا عن الإسلام بالإجماع، فالمتجنس مرتد بالإجماع، والمتجنس -بحكم القانون الفرنسي- يجري تجنسه على نسله، فيكون قد جنى عليه بإخراجه من حظيرة الإسلام، وتلك الجناية من شر الظلم وأقبحه، وإثمها متجدّد عليه ما بقي له نسل في الدنيا، خارجا عن شريعة الإسلام بسبب جنايته، والعلم عند الله»
خادم العلم وأهله «عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء»
ثانيا: رأيه في تزوج المسلم الجزائري بالفرنسية: بالرغم من أن الإسلام يبيح الزواج بالكتابية فقد أفتى ابن باديس بحرمة زواج الجزائري المسلم بالفرنسية، وعلل ذلك بكون النتيجة التي تؤدي إليها هذا الزواج هي الخروج عن حظيرة الإسلام لأن القانون الفرنسي يقضي بأن أبناءه منها يتبعون جنسية أمهم في خروج نسله عن حظيرة الإسلام. فإن كان راضيا بذلك فهو مرتد عن الإسلام، جان على أبنائه، ظالم لهم، وإن كان غير راض لهم بذلك وإنما غلبته شهوته على الزواج فهو آثم بجنايته عليهم، وظلمه لهم، لا يخلصه من إثمه هذا إلا إنقاذهم مما أوقعهم فيه.
ثالثا: رأيه في دفن ابناء المتجنسين في مقابر المسلمين: سأل أحد أهالي «ميشلي» من القبائل الكبرى عن أبناء المتجنسين بالجنسية الفرنسية هل يجوز دفنهم في مقابر المسلمين؟ فكان جواب ابن باديس كما يلي: بعد الحمد لله والصلاة والتسليم على النبي وآله، فابن المطورني [أي المتجنس] إذا كان مكلفا، ولم يُعْلَم منه إنكار ما صنع أبوه والبراءة منه، فهو مثل أبيه لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، وإن كان صغيرا فهو مسلم على فطرة الإسلام، يدفن معنا ونصلي عليه» كتبه خادم العلم وأهله: عبد الحميد بن باديس
رابعا: رايه في جواز مسح المرأة على شعرها عند الاغتسال: أفتى ابن باديس بالاكتفاء بالمسح على رؤوسهن في الغسل، كما يكتفي بالمسح على الخفين والجبائر في الوضوء، تسهيلا عليهن، ودفعا للكلفة والخسارة.
نظرة ابن باديس للإنسان:
الإنسان الذي جعله ابن باديس محور خطته التربوية وغايتها، ليس الإنسان المطلق الذي اهتمت به الفلسفة القديمة، الإنسان المجرد عن الزمان والمكان، الذي لا نستطيع أن نجد نماذج منه في حياتنا، ولا الإنسان الذي اهتمت به بعض التيارات الفكرية الحديثة التي تقول بحرية المطلقة وبأنه سيد نفسه، وتنكر وجود قيم ثابتة تحرك سلوك الإنسان، وليس الإنسان الذي طمست حقيقته المذاهب الفلسفية المادية التي تنكر أهمية الجانب الوجداني في الإنسان، والقيم الروحية التي تحركه، إنما الإنسان الذي اهتم به ابن باديس وجعله أساس نشاطه هو الإنسان الذي يعيش في واقعنا، ويتفاعل مع أحداث عصرنا، الإنسان الذي استخلفه الله في هذه الأرض ومكنه من استثمار قدراته، لتحقيق الازدهار العمراني، والتقدم الحضاري، الذي يعود عليه وعلى أمته بالخير والسعادة.
فنظرة ابن باديس إلى الإنسان نظرة واقعية لا تجزئ حقيقة الإنسان، ولا تختصرها في بعد واحد من الأبعاد المكونة لهذه الحقيقة، بل تشمل جميع ما يكون به الإنسان إنسانا مثل الفكر والروح والدوافع [الغرائز] والاعتقادات التي تحصل عن طريق العلم وأعمال الفكر، وكذلك الأعمال التي هي عنوان معبر عن حقيقة الإنسان، والتي تترجم ما عنده من أفكار وعقائد ومشاعر، والتي بها يتشكل وجوده الإنساني وتتحقق إنسانيته، لأن الإنسان -في نظر ابن باديس- كل متكامل، فكر وغريزة وعقيدة وعمل، ويوضح هذا المعنى فيقول: «إن الإنسان إنما هو إنسان بفكره وغرائزه وعقائده وأعماله المودعة كلها في جزئه المحسوس الفاني (الجسد) وفي جزئه المعقول الباقي (الروح) وبهذه الأصول الأربعة ينهض الإنسان أو يسقط».
المعرفة والعلم في نظر ابن باديس:
المعرفة التي اهتم بها ابن باديس ودعا إلى تلقينها للناس باعتبارها مادة التربية وأداة التثقيف والتهذيب هي المعرفة التي ترسخ الإيمان وتعصم الاعتقادات من الانحراف، والأخلاق من الفساد، والفكر من الضلال، وتفيد الإنسان في حياته الدينية والدنيوية.
وقد يتصور البعض أن المعرفة التي انشغل بها ابن باديس واعتبر تعليمها واجبا دينيا، وضرورة اجتماعية هي المعرفة المتعلقة بالعلوم الشرعية، وما يخدم هذه العلوم وبعين على فهمها، وما عدا ذلك فلا يندرج ضمن اهتماماته، شأنه في ذلك شأن الفقهاء التقليديين الذين يحصرون المعارف الواجب تعليمها في الفقه والعقائد والأصول، والحقيقة غير ذلك، فهو يعتبر إهمال العلوم المتعلقة بالحياة سببا من أسباب تأخرنا وانحطاطنا، لذلك كان يعيب على العلماء الذين أهملوا هذه العلوم التي أوصلت أوربا إلى ما هي عليه.
ابن باديس وتعليم المرأة:
الاتجاه الذي كان سائدا في عصر ابن باديس لم يكن يشجع تعليم البنت ولم يكن يتيح لها فرص التثقيف التي تؤهلها لوظيفتها الاجتماعية التي تنتظرها، بل كثيرا ما كانت الفرص التعليمية المتاحة خاصة بالبنين، ومقصورة عليهم في أغلب الحالات.
وهذا الأمر كان يقلق ابن باديس، لذلك أبدى اهتمامه بموضوع تعليم المرأة، لأنها شقيقة الرجل وتشكل نصف المجتمع، وهي الركن الركين الذي يقوم عليه بناء الأسرة، فإهمال تربيتها، وتركها جاهلة هو هدم لهذا الركن، وتفكيك لبنية الأسرة، وإضعاف لقدرتها على الاضطلاع بمسئوليتها التربوية والاجتماعية.
وكان موقف ابن باديس أن وجه جهوده الإصلاحية والتربوية إلى الأفكار المتطرفة التي حاولت سلخ المرأة المسلمة من مقوماتها وتجريدها من خصوصياتها.
وهاجم بشدة الآراء الجامدة التي حاولت إبقاء المرأة متاعا مهملا.
ونبه العلماء وأولياء أمور البنات إلى أهمية تعليم البنت، ضمن الإطار الحضاري الإسلامي، لأن البنت المتعلمة تستطيع أن تبني أسرة منسجمة ومتماسكة، كما تستطيع أن تصور نفسها، وتحفظ كرامتها، وتضطلع بوظيفتها التربوية داخل الأسرة، وفي المجتمع اضطلاعا كاملا.
وقد بين في رده على دعاة تحرير المرأة أن التحرير الحقيقي الذي يجب أن نسعى إليه هو تحريرها من الجهل، فقال: «وإذا أرتم إصلاحها الحقيق فارفعوا حجاب الجهل عن عقلها قبل أن ترفعوا حجاب الستر عن وجهها، فإن حجاب الجهل هو الذي أخرها، وأما حجاب الستر فإنه ما ضرها في زمان تقدمها، فقد بلغت بنات بغداد وبنات قرطبة وبنات بجاية مكانة عالية ما ضرّها في العلم وهنّ متحجبات»
العمل الجماعي في نظر ابن باديس … (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين):
عندما أعلن عن تأسيس جمعية العلماء المسلمين في الجزائر عام (1931م) كان قد مضى قرن كامل على احتلال فرنسا لهذا البلد المسلم، وكانت استراتيجية هذا المحتل هي أن تصبح الجزائر قطعة منه أو بتعبير أدق كانت السياسة المتبعة هي فرنسة الجزائر، ولذلك مارس هذا الاستعمار أشد أنواع الاضطهاد والقهر وسلب الأموال، وتحويل المساجد إلى كنائس، وفرض اللغة الفرنسية كلغة ثقافة وتخاطب، واستطاعت قوات الاحتلال الفرنسي القضاء على جميع الثورات التي فجرها العلماء وزعماء البلاد، هذه الثورات التي كانت تفتقد الشمولية، والقدرة على التنظيم، رغم تضحياتها وبطولة زعمائها، ولذلك كانت تقمع في كل مرة، وما أن حل الثلث الأول من القرن العشرين حتى كان الظلام قد خيم على الجزائر كلها، فما تبقى من المساجد التي هدمها العدو كانت تحت رقابته لا يخطب فيها إلا من ينافق له، وألغيت المحاكم الإسلامية وبدأت جحافل المبشرين تزحف نحو الجزائر.
يقول الشيخ البشير الإبراهيمي واصفاً هذه الحالة: «كان من نتائج الدراسات المتكررة للمجتمع الجزائري بيني وبين ابن باديس منذ اجتماعنا بالمدينة المنورة (1913م) أن البلاء المنصب على هذا الشعب المسكين آت من جهتين متعاونتين عليه، وبعبارة أوضح من استعمارين مشتركين يمتصان دمه ويتعرقان لحمه ويفسدان عليه دينه ودنياه:
1- استعمار مادي هو الاستعمار الفرنسي يعتمد على الحديد والنار .
2- استعمار روحاني يمثله مشائخ الطرق المؤثرون في الشعب، المتجرون بالدين، المتعاونون مع الاستعمار عن رضي وطواعية .
والاستعماران متعاضدان يؤيد أحدهما الآخر بكل قوته، ومظهرهما معًا تجهيل الأمة لئلا تفيق بالعلم فتسعى في الانفلات، وتفقيرها لئلا تسعى بالمال على الثورة.
أرادت فرنسا شيئاً وأراد الله شيئاً آخر، وإذا أراد الله شيئًا سهل أسبابه، وكان من كرمه سبحانه وفضله على أهل الجزائر أن يسر بروز رجال أعلام استفادوا من تجارب الذين سبقوهم، ودرسوا مشكلات أمتهم دراسة دقيقة، وقرروا العمل الجاد لإخراج المسلمين في الجزائر مما هم فيه إلى حالة ترضى الله سبحانه وتعالى، وكان فارس هذه الحلبة والبارز في ميدانها الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله، فبعد رجوعه إلى الجزائر من رحلته العلمية إلى تونس ومصر، ثم الحجاز والشام كانت فكرة الإصلاح والعمل المنظم قد اختمرت في ذهنه ولم يبق إلا التمهيد لها، فكان يبث هذه المفاهيم لكل من يشهد حلقاته العلمية في التفسير، يقول رحمه الله: «إنما ينهض المسلمون بمقتضيات إيمانهم بالله ورسوله إذا كانت لهم قوة، وإنما تكون لهم قوة إذا كانت لهم جماعة منظمة تفكر وتدبر وتتشاور وتتآزر وتنهض لجلب المصلحة ولدفع المضرة».
ثم يلتفت رحمه الله إلى العلماء والقادة فيقول: «ما أصيب المسلمون في أعظم ما أصيبوا به إلا بإهمالهم أمر الاجتماع ونظامه، إما باستبداد أئمتهم وقادتهم، وإما بانتثار جماعتهم بضعف روح الدين فيهم، فعلى أهل العلم – وهم المسئولون عن المسلمين بمالهم من إرث النبوة فيهم – أن يقوموا بما أرشدت إليه هذه الآية الكريمة فينفخوا في المسلمين روح الاجتماع والشورى في كل ما يهمهم من أمر دينهم».
وهكذا كان رحمه الله يمهد لما صمم عليه من تأسيس جمعية تلم شمل العلماء والدعاة الصادقين، ولا تقتصر على فئة دون فئة ولا على إقليم دون إقليم.
مراحل تأسيس جمعية العلماء:
1- مرحلة الشعور بالخطر الجاثم على صدور أهل الجزائر والتفكير بالحلول، وأسباب الداء وكيفية الدواء، وهذه المرحلة كانت بوادرها في المدينة المنورة عام (1913م) عندما التقى الشيخ ابن باديس مع رفيق دربه وجهاده الشيخ البشير الإبراهيمي الذي كان مهاجرًا إلى الحجاز للدراسة والاطلاع، وقد وصف الإبراهيمي هذه المرحلة أدق وصف فقال: «كان من تدابير الأقدار الإلهية للجزائر، ومن مخبآت الغيوب لها أن يرد عليَّ بعد استقراري بالمدينة المنورة سنة وبضعة أشهر أخي ورفيقي في الجهاد بعد ذلك الشيخ عبد الحميد بن باديس أعلم علماء الشمال الأفريقي-ولا أغالي – وباني النهضات العلمية والأدبية والاجتماعية والسياسية للجزائر.
كنا نؤدي صلاة فريضة العشاء الأخيرة كل ليلة في المسجد النبوي ونخرج إلى منزلي فنسمر مع الشيخ ابن باديس منفردين إلى آخر الليل حين يفتح المسجد فندخل مع أول داخل لصلاة الصبح.
ثم نفترق إلى الليلة الثانية إلى نهاية ثلاثة الأشهر التي أقامها الشيخ بالمدينة، كانت هذه الأسمار المتواصلة كلها تدبيرًا للوسائل التي تنهض بها الجزائر ووضع البرامج المفصلة لتلك النهضات الشاملة التي كانت كلها صوراً ذهنية تتراءى في مخيلتنا، وصحبها من حسن النية وتوفيق الله ما حققها في الخارج بعد بضع عشرة سنة.
وأشهد الله على أن تلك الليالي من عام (1913) ميلادية هي التي وضعت فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي لم تبرز للوجود إلا عام (1931م) ».
2- التمهيد لجمع المسلمين وبث روح التعاون والعمل الجماعي في صفوفهم، بواسطة دروس التفسير في مساجد قسنطينة وكانت الإدارة الفرنسية تعرقل دروس الشيخ ابن باديس فينتقل من مسجد لآخر، كما أن هذه المرحلة كانت فترة نضوج لأبرز قادة الجمعية الذين رحلوا إلى المشرق وتنقلوا بين المدينة المنورة ودمشق والقاهرة، واتصلوا بأعلام الدعوة السلفية في هذه المدن، وتدارسوا معهم واقع العالم الإسلامي والحلول اللازمة للنهوض .
3- زار ابن باديس عام (1924م) الشيخ الإبراهيمي في مدينة «سطيف» وأخبره بأنه عقد العزم على تأسيس جمعية باسم (الإخاء العلمي) تجمع شمل العلماء والطلبة وتوحد جهودهم، وتقارب بين مناحيهم في التعليم والتفكير، وعهد ابن باديس إلى الإبراهيمي مهمة وضع القانون الأساسي للجمعية، فوضعه الإبراهيمي واتفقا عليه، ولكن هذا المشروع لم ير النور لعدم تجاوب علماء قسنطينية مع رغبة ابن باديس ولأن الاستعداد لمثل هذه الأعمال لم ينضج بعد.
4- أصر ابن باديس على إنشاء جمعية للعلماء وأنه لابد من عمل إصلاحي كبير، وتنازع العلماء رأيان: «الأول» تبناه الإبراهيمي وخلاصته: أن يكون هدف الجمعية تعليميًا، وأن يربي جيل متخصص في مختلف الفنون والمعرفة ينطلق المربون به في حملة شاملة على الباطل والبدع.
والرأي «الثاني»: وقد تبناه ابن باديس ويقوم على مهاجمة المبطلين والمبتدعين منذ البداية، ولأن البدع قد طال عليها الأمد وشاب عليها الوالد وشب عليها الولد، فلا يطمع في زوالها إلا بصيحة مخيفة تزلزل أركانها، وإعصار شديد يكشف الستر عن هذا الشيء الملفق ليتبينه الناس على حقيقته .. وقد تم الاتفاق على الأخذ بالرأي الثاني.
وبناء على ذلك أصدر ابن باديس جريدة «المنتقد» عام (1925م) التي يبين اسمها عن معنى النقد الذي يخالف منهج أرباب الطريقة (اعتقد ولا تنتقد) وكتب ابن باديس في المنتقد عن دعوة محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية ونقل عن (المنار) رسالة عبد الوهاب النجدي إلى عبد الله الصنعاني.
ثم صدرت «الشهاب» وفيها الدعوة إلى مناصرة فكرة الإصلاح وتجميع القوى وأن يكتب إلى الشهاب من يوافق على هذه الأفكار، فانهالت الرسائل المؤيدة، ومنها رسائل من الشيخ الطيب العقبي، ومبارك الميلي.. وقد جاء في رسالة الشيخ العربي التبسي: «أزفت ساعة الجماعة وتصرم عصر الفرد»، وفي عام (1931) نشرت «الشهاب» اقتراحًا بتأسيس جمعية العلماء وكان الغرض هو جمع القوى الموزعة من العلماء على اختلاف حظوظهم من العلم للتعاون على خدمة الدين الإسلامي واللغة العربية، والنهوض بالأمة».
استجاب كثير من العلماء لدعوة ابن باديس وتقرر الاجتماع في الساعة الثامنة من صباح يوم الثلاثاء السابع عشر من ذي الحجة (1349هـ) الخامس من مايو (1931م) في نادي الترقي بعاصمة الجزائر، وكان عدد المجتمعين اثنين وسبعين من العلماء وطلبة العلم، وكان هذا الاجتماع بمثابة جمعية عمومية لوضع القانون الأساسي، ثم عقد اجتماع آخر وانتخب الشيخ ابن باديس رئيسًا والشيخ الإبراهيمي نائبًا للرئيس.
إن تأخير قيام الجمعية إلى هذا الوقت مع أن نشاط ابن باديس وحديثه عن العمل الجماعي ورد في أوائل العشرينات إنما كان لتطلع ابن باديس إلى مشاركة جميع العلماء الذين يؤمنون بالإصلاح، وهذا يتطلب جهدًا كبيرًا والدخول في حوار مع كل فرد منهم، كما يتطلب وضوح الأهداف والغايات.
5- حاول بعض الصوفية من أعضاء الجمعية والمشايخ الذين لهم ارتباط بالإدارة الفرنسية السيطرة على الجمعية ولكنهم فشلوا فشلاً ذريعًا، وفي عام (1932م) خرجوا من الجمعية وانتخب ابن باديس مرة ثانية رئيسًا بالإجماع، وبذلك صفت الجمعية لرجال الإصلاح الذين كان منهجهم واضحًا منذ البداية.
أما السؤال المتبادر، لماذا دخل هؤلاء في الجمعية أصلاً ؟ فالجواب: أن ابن باديس تعاون مع المعتدلين من الطرقيين والعلماء الرسميين ولم يتعاون مع الملوثين الذين ظهرت أباطيلهم وأراد من هذا التعاون شيئين:
«الأول»: أراد أن يواجه المستعمرين وعموم أعداء هذا الدين بموقف إسلامي موحد، وموقفه هذا يذكرنا بالوفد الذي قابل به ابن تيمية قازان زعيم التتار وكان يضم الصوفيين والمبتدعين.
«الثاني»: كان ابن باديس يعرف كيف يتحرك، وكيف يتعامل مع الناس، وكيف يستفيد من الظروف والمناسبات التي تمر، وكان يضع هذه الأمور كلها في موضعها وإطارها الصحيح، وهذا التعاون لم يغير أو يبدل شيئًا من قناعات ابن باديس وزملائه، بل كانوا أصحاب القرار وأهل الأكثرية في الجمعية .
ولابد من الإشارة هنا إلى إيمان ابن باديس بالمرحلية ولذلك نراه ينتقي العبارات لكل مرحلة انتقاء دقيقًا وذكيًا، فعندما أخذ الترخيص للجمعية كانت الغاية التي أعلنت في القانون الأساسي «محاربة الآفات الاجتماعية كالخمر والميسر والبطالة والجهل، وكل ما يحرمه صريح الشرع وينكره العقل» وهذه الأخيرة فيها تلميح إلى الصوفية، ولكن بعد الانتخاب الثاني (1932م) وتصفية الجمعية من أعوان الإدارة دعا ابن باديس إلى «الأخذ بالثابت عند أهل النقل الموثوق بهم، والاهتداء بفهم الأئمة المعتمد عليهم، ودعوة المسلمين كافة إلى السنة النبوية المحمدية».
وبعد مضي خمس سنوات على تأسيس الجمعية أكد البشير الإبراهيمي على غايات الجمعية وخاصة في الأمور التالية:
1- محاربة الطرقية وأنه لا يتم في الأمة الجزائرية إصلاح مع وجود هذه الطرقية المشئومة.
2- نشر التعليم الحر البعيد عن إشراف الحكومة بين صفوف الصغار والكبار.
3- الوقوف في وجه التبشير والإلحاد .
وهكذا كلما قويت الجمعية ووجد ابن باديس أن الفرصة مناسبة لتوسيع دائرة عمل الجمعية، أعلن عن الأهداف الكبرى لها، وإذا لم يتح له ذلك ذكر أهدافه عن طريق الصحافة التي كان يمتلكها هو شخصيًا وليست تابعة للجمعية مثل «المعتضد» و «الشهاب».
أهداف جمعية العلماء:
في عام (1356 هـ 1938م) حددت الجمعية أصولها ومبادئها في النقاط التالية:
1- الإسلام هو دين الله الذي وضعه لهداية عباده وأرسل به جميع رسله، وكمله على يد نبيه محمد  الذي لا نبي بعده.
2- القرآن هو كتاب الإسلام .
3- السنة [القولية والفعلية] الصحيحة تفسير وبيان للقرآن .
4- سلوك السلف الصالح [الصحابة والتابعين وتابعي التابعين] تطبيق صحيح لهدي الإسلام.
5- البدعة كل ما أحدث على أنه عبادة وقربة ولم يثبت عن النبي  فعله، وكل بدعة ضلالة.
6- المصلحة كل ما اقتضته حاجة المسلمين في أمر دنياهم ونظام معيشتهم وضبط شؤونهم وتقدم عمرانهم بما تقره أصول الشريعة.
7- التوحيد أساس الدين، فكل شرك في الاعتقاد أو في القول أو في الفعل فهو باطل مردود على صاحبه .
8- اعتقاد تصرف أحد من الخلق مع الله في شيء ما شرك وضلال، وبناء القباب على القبور والذبح عندها لأجلها، والاستغاثة بأهلها ضلال من أعمال الجاهلية، فمن فعله جهلاً يُعلّم، ومن أقره ممن ينتسب إلى العلم فهو ضال مضل.
9- الأوضاع الطرقية بدعة لم يعرفها السلف ومبناها كلها على الغلو في الشيخ، وتجميد العقول، وإماتة الهمم.
10- عند المصلحة العامة من مصالح الأمة يجب تناسي كل خلاف يفرق الكلمة ويصدع الوحدة، ويتحتم التآزر والتكاتف حتى تنفرج الأزمة وتزول الشدة بإذن الله ثم بقوة الحق، وادراع الصبر وسلاح العلم والعمل والحكمة: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾. [يوسف:108]
عبد الحميد بن باديس بقسنطينة الجامع الأخضر أثر صلاة الجمعة 4 ربيع الأول (1356هـ).
وما كانت الشعارات التي يرفعها ابن باديس: «القرآن إمامنا، والسنة سبيلنا، والسلف الصالح قدوتنا، وخدمة الإسلام والمسلمين وإيصال الخير لجميع سكان الجزائر غايتنا» إلا تلخيصاً لهذه المبادئ.
إن النزعة السلفية واضحة في هذه الأصول والغايات المعلنة ولا شك أن رحلة ابن باديس وزملائه إلى المشرق واطلاعهم على حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب واجتماعهم بعلماء الشام وما كتبه رشيد رضا في (المنار) له أثر كبير في توجهات الجمعية، كما أن جيل المصلحين الأول مثل الشيخ صالح بن مهنا قد تأثر بالحركة السلفية، ومع ذلك فإن ابن باديس وزملاؤه لم يكونوا نسخة مطابقة لعلماء الشام أو الجزيرة بل كان عندهم من سعة الأفق أحيانًا أكثر من الذين تأثروا بهم، وقد تظهر الدعوة السلفية أحيانًا في قطر من الأقطار الإسلامية دون أن يطلع أهله على ما في القطر الآخر وذلك لأنها دعوة حق يهتدي إليها من أوتي فطرة سليمة وقلب واع .
إنجازات جمعية العلماء
قامت الجمعية بأعمال كبيرة وجليلة وجهود تستحق التقدير والثناء الحسن، فلها دور كبير في بث الوعي الديني وإحياء المفاهيم الإسلامية الصحيحة من الكتاب والسنة ومحاربة الخرافيين الذين يتاجرون بالدين ويتعاونون مع المستعمرين، وقد سدوا منافذ العلم وسيطروا على عامة الشعب بسبب الجهل، وقد كانت كتابات ابن باديس والإبراهيمي مزلزلة لأركانهم فانقمعوا وانحسروا والتف الشعب حول العلماء العاملين .
يقول البشير الإبراهيمي ساخرًا من الطرقيين: «القوم عارفون بالله وإن لم يدخلوا كتابًا ولم يقرؤوا كتابًا، وكل من ينتسب إليهم عارف بالله بمجرد الانتساب أو بمجرد اللحظة من شيخه، ومن تنقيحاتهم تحديد مراحل التربية (الخلوية) لمعرفة الله بثلاثة أيام (فقط لا غير) تتبعها أشهر وأعوام في الانقطاع لخدمة الشيخ من سقي الشجر ورعي البقر وحصاد الزرع وبناء الدور مع الاعتراف باسم الفقير والاقتصار على أكل الشعير …»
وأنشطة الجمعية متشعبة وشاملة يصعب الحديث عنها كلها ولذلك سنقتصر على ذكر نشاطها التعليمي الذي كان من أهدافه الرئيسية إحياء اللغة العربية لغة القرآن والإسلام بعد أن حاول المستعمر إقصاء اللغة تمهيداً لإقصاء الدين .
ولا شك أن هذه مهمة صعبة، وهي أمل كل المصلحين الذين عاشوا قبل هذه الفترة وبعدها، فقد كان من المجمع عليه عندهم أن أهم وسيلة لترقية الأمة ونقلها من ذلها وضعفها هو التربية والتعليم، لإنشاء أجيال جديدة تتسم بالسلوك الإسلامي والفهم العميق لهذا الدين، وقد حققت الجمعية كثيرًا من هذا مما يعتبر في عصرها من المعجزات.
كانت المدارس الحكومية قليلة جدًا، وهي خاضعة خضوعًا تامًا لإشراف الإدارة الفرنسية في مناهجها ومدرسيها، بل كانت فرنسا تتعمد التجهيل، يقول محمد فريد وجدي الذي زار الجزائر (1901م): «هجرت ربوع العلم وخربت دور الكتب وصارت الديار مرتعًا للجهل وكادت تدرس معالم اللغة العربية الفصحى».
ويقول الشيخ الإبراهيمي:« إن مدارساً عامرة بهذا الصنف من الأطفال الذي لم يجد إلى التعليم الحكومي سبيلاً، وإن عدده لكثير إنه ليقارب التسعين بالمائة من أبناء الأمة».
قصدت الجمعية لهذا الخلل، فشجعت الجمعيات الإصلاحية في كل مدينة لإنشاء مدرسة، وهذه الجمعية تتكفل بدفع رواتب المعلمين وتشجيع الأهالي على التبرع، وكانت جمعية العلماء تشرف على هذه الجمعيات المحلية وتشرف على اختيار المدرسين، وقد بلغ عدد هذه المدارس عام (1935م) سبعين مدرسة، ويقدر عدد التلامذة بحوالي 30 ألف بين صبي وفتاة.
وكانت جمعية العلماء تنظم للمدرسين دورات تدريبية لرفع مستواهم التعليمي ومناقشة أساليب ونظم التعليم وفي عام (1944م) نشطت الجمعية نشاطًا بارزًا فأنشأت خلال عام واحد ثلاثاً وسبعين مدرسة في مدن القطر وقراه، وفي عام (1948) بلغت مدارس الجمعية حوالي140 مدرسة، وفي عام (1954م) ازداد العدد إلى 170 مدرسة، وقد بلغ عدد تلاميذ هذه المدارس عام (1951م) 286. 36 تلميذًا وتلميذة منهم 16.286 يدرسون دراسة كاملة في المدارس العربية ولا يلتحقون بالمدارس الحكومية، وبقية الطلبة سهلت لهم الجمعية أمر متابعتهم الدراسة في مدارسها بأن جعلت لهم دوامين للتعليم في الصباح والمساء.
وفي عام (1947م) أسست الجمعية أول معهد للتعليم الثانوي في قسنطينة أطلق عليه اسم عبد الحميد بن باديس، وبدأت الجمعية تشجع خريجي هذا المعهد للالتحاق بجامعات الزيتونة في تونس أو الأزهر أو جامعة دمشق أو جامعة بغداد، وكأن الجمعية كانت تهيئ الشباب لعملية بناء الجزائر المستقلة .
وهذا الجهد العظيم هو صراع مرير مع الإدارة الفرنسية لتثبيت هوية هذا الشعب وأنه مسلم عربي، ففي هذه المدارس تعلم الأطفال العربية لأن التعليم في المدارس الحكومية كان كله باللغة الفرنسية، وهذه الأمور كانت واضحة في ذهن ابن باديس وصحبه من اليوم الأول وأن نهضة الإسلام مقرونة بنهضة اللغة العربية .
فجزاهم الله خيرًا عن الإسلام والمسلمين، من رجال قاموا بواجبهم حق القيام .
إسهامات ابن باديس السياسية
لم يكن ابن باديس مصلحًا فحسب، بل كان مجاهدًا سياسيًا، مجاهرًا بعدم شرعية الاحتلال الفرنسي، وأنه حكم استبدادي غير إنساني، يتناقض مع ما تزعمه من أن الجزائر فرنسية، وأحيا فكرة الوطن الجزائري بعد أن ظنّ كثيرون أن فرنسا نجحت في جعل الجزائر مقاطعة فرنسية، ودخل في معركة مع الحاكم الفرنسي سنة (1352هـ= 1933م) واتهمه بالتدخل في الشئون الدينية للجزائر على نحو مخالف للدين والقانون الفرنسي، وأفشل فكرة اندماج الجزائر في فرنسا التي خُدع بها كثير من الجزائريين سنة (1353 هـ= 1936م).
ودعا نواب الأمة الجزائريين إلى قطع حبال الأمل في الاتفاق مع الاستعمار، وضرورة الثقة بالنفس، وخاطبهم بقوله: «حرام على عزتنا القومية وشرفنا الإسلامي أن نبقى نترامى على أبواب أمة ترى –أو ترى أكثريتها- ذلك كثيرا علينا…! ويسمعنا كثير منها في شخصيتنا الإسلامية ما يمس كرامتنا»، وأعلن رفضه مساعدة فرنسا في الحرب العالمية الثانية.
وكانت الصحف التي يصدرها أو يشارك في الكتابة بها من أهم وسائله في نشر أفكاره الإصلاحية، فأصدر –كما ذكرنا آنفا- جريدة «المنتقد» سنة (1345 هـ=1926م) وتولى رئاستها بنفسه، لكن المحتل عطّلها؛ فأصدر جريدة «الشهاب» واستمرت في الصدور حتى سنة (1358هـ= 1939م) واشترك في تحرير الصحف التي كانت تصدرها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، مثل «السنة» و «الصراط» و «البصائر».
وظل هذا المصلح -رغم مشاركته في السياسة- يواصل رسالته الأولى التي لم تشغله عنها صوارف الحياة، أو مكائد خصومه من بعض الصوفية أذيال المستعمر، أو مؤامرات فرنسا وحربها لرسالته، وبقي تعليم الأمة هو غايته الحقيقية، وإحياء الروح الإسلامية هو هدفه السامق، وبث الأخلاق الإسلامية هو شغله الشاغل، وقد أتت دعوته ثمارها، فتحررت الجزائر من براثن الاحتلال الفرنسي، وإن ظلت تعاني من آثاره.

ابن باديس في عيون المعاصرين
• الشيخ محمد البشير الإبراهيمي: رفيق دربه في الإصلاح، وأقرب الناس إليه، وأعرفهم بمناقبه، يقول عنه: «إنه باني النهضتين العلمية والفكرية بالجزائر، وواضع أسسها على صخرة الحق، وقائد زحوفها المغيرة إلى الغايات العليا، وإمام الحركة السلفية، ومنشئ مجلة (الشهاب) مرآة الإصلاح وسيف المصلحين، ومربّي جيلين كاملين على الهداية القرآنية والهدي المحمّدي وعلى التفكير الصحيح، ومحيي دوارس العلم بدروسه الحيّة، ومفسّر كلام الله على الطريقة السلفية في مجالس انتظمت ربع قرن، وغارس بذور الوطنية الصحيحة، وملقّن مبادئها على البيان، وفارس المنابر، الأستاذ الرئيس الشيخ عبد الحميد ابن باديس، أول رئيس لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأول مؤسس لنوادي العلم والأدب وجمعيات التربية والتعليم، وحسبه من المجد التاريخي أنه أحيا أمّة تعاقبت عليها الأحداث والغير، ودينًا لابسته المحدثات والبدع، ولسانًا أكلته الرطانات الأجنبية، وتاريخًا غطى عليه النسيان، ومجدًا أضاعه وَرَثَةُ السوء، وفضائلَ قتلتْها رذائلُ الغرب، فرحم الله تلك الأرواح الطاهرة»
ويقول عنه أيضا: «الحقيقة التي لا يختلف فيها اثنان، والشهادة التي نؤديها لوجه الحق حتى رجال الاستعمار، هي أن أول صيحة ارتفعت بحرية الجزائر كانت من لهاة عبد الحميد بن باديس ولسانه، وأن أول صخرة وضعت في أساس نهضة الجزائر بجميع فروعها من علمية وسياسية واجتماعية وأخلاقية إنما وضعتها يداه.
وعبد الحميد بن باديس باني النهضة وإمامها ومدرب جيوشها، عالم ديني، ولكنه ليس كعلماء الدين الذين عرفهم التاريخ الإسلامي في قرونه الأخيرة، جمع الله فيه ما تفرق في غيره من علماء الدين في هذا العصر، وأزكى عليهم بالبيان الناصع واللسان المطاوع، والذكاء الخارق، والفكر الولود، والعقل اللماح، والفهم الغواص على دقائق القرآن وأسرار التشريع الإسلامي، والاطلاع الواسع على أحوال المسلمين ومناشئ أمراضهم، وطرق علاجها، والرأي السديد في العلميات والعمليات من فقه الإسلام وأطوار تاريخه، والإلمام الكافي بمعارف العصر مع التمييز بين ضارها ونافعها، مع أنه لا يحسن لغة من لغاتها غير العربية، وكان من التضلع في العلوم الدينية واستقلاله في فهمها إماما في العلوم الاجتماعية، يكمل ذلك كله قلم بليغ شجاع يجاري لسانه في البيان والسحر، فكان من أخطب خطباء العربية وفرسان منابرها، كما كان من أكتب كتابها»
• الشيخ العربي التبسي: «إن الرجال لا تسجل أنسابهم ولا صورهم، ولا أموالهم في سجل الإنسانية وشرائعها، وإنما عقائد الذين غرسوا عقائدهم في نفوس الناس…وإنما تسجل أعمال الذين أخرجوا الناس من فوضى اجتماعية إلى نظام اجتماعي توارثته الإنسانية بعدهم.
إنما تسجل عبقرية أولئك الذين حاموا على الإنسانية حيث امتهنت واعتدى عليها فراعنة العنصرية، وجبابرة القوة المادية. وإنما تسجل المبادئ التي تفيء إلى ظلها الإنسانية حين تطغى على الإنسانية الجوائح التي تجتاح الناس بسوط عذابها ولهيب نيرانها…وعبد الحميد بن باديس جدير بأن تقيم له الأمة الجزائرية الإسلامية العربية الذكرى، وجدير بأن يعد من أولئك الذين سجل لهم التاريخ جهودًا تؤهله للحاق بالشخصيات المعترف لها بمزاياها.
قدم عبد الحميد لأمتنا في أرضنا الشيء الكثير مما يعد أساسا لهذه الحركة، وبذورا لنواحيها المتعددة»
وقال: «لقد كان الشيخ عبد الحميد هو الجزائر فلتجاهد الجزائر الآن أن تكون هي الشيخ باديس».
• د. محمد البهي: وزير الأوقاف ووزير شؤون الأزهر السابق، ذكر ابن باديس في مقدمة تفسيره بما يلي: «الإمام عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء بالجزائر وباعث النهضة الإسلامية العربية فيها، وقائد الثورة ضد الاستعمار الفرنسي في هذه البلاد العزيزة واحد من العلماء المصلحين والمفكرين الرواد في الوطن الإسلامي العربي، ومع الأسف لم كونوا كثرة في العدد وإن كانوا قوة في الأثر.
إن عبد الحميد بن باديس لم يكن شخصا وإنما كان قبسا من نور الله كشف به ظلام الاستعمار في الجزائر وهدى به قوما كادت تضلهم ظلمته وتيئسهم محنته وأصبحوا بذلك أقوياء بعد ضعف، ووحدة بعد فرقة، وأصحاب أمل في الحياة بعد يأس منها».
• الشيخ الطاهر بن عاشور: عميد مجلس الشورى المالكي بتونس في زمانه، وصاحب تفسير «التحرير والتنوير»، وأستاذ الشيخ ابن باديس في جامع الزيتونة. ورغم ما حدث بينهما من تباين في بعض المسائل العلمية والفتاوى الفقهية، إلا أن ذلك لم يمنع الأستاذ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور من أن ينزله منزلته، ويعترف له بمكانته، فيقول عنه: «العالم الفاضل، نبعة العلم والمجادة، ومرتع التحرير والإجادة، ابننا الذي أفتخرُ ببنوته إلينا…الشيخ سيدي عبد الحميد ابن باديس…أكثر الله من أمثاله في المسلمين».
وفي الاحتفال بالذكرى السابعة لوفاة ابن باديس، قال الشيخ ابن عاشور: «… إن فضل النهضة الجزائرية على العالم الإسلامي فضل عظيم، وإن أثر الشيخ عبد الحميد بن باديس في تلك النهضة أثر إنساني رئيس… تلقى الإمام عبد الحميد تعاليم الإسلام، وتشرب روح العروبة، فكانت روحه الفلسفية متوجهة نحو تسليط تلك التعاليم وهاتيك الروح على ما بين جنبيه وجنبي عموم الشعب الجزائري من حالة الذهول عن الذات، والانقطاع عن تأثير التعاليم الطاهرة، والروح الإسلامية…وما تكريمنا للشيخ عبد الحميد بن باديس، إلا تكريم للفكرة العبقرية والنزعة الإصلاحية الفلسفية، التي دفعت به فريدًا إلى موقف إحياء التعاليم الإسلامية، في وطن أوشكت شمس الإسلام أن تتقلص في ربوعه، بعد ثمانين عامًا قضاها في أغلال الأسر»
• المؤرخ الأستاذ خير الدين الزركلي: صاحب الأعلام، والذي عاصر ابن باديس، ويعتبر شاهدًا على جهاده، ينقل لنا شهادته قائلاً عنه: «كان شديد الحملات على الاستعمار، وحاولت الحكومة الفرنسية في الجزائر إغراءه بتوليته رئاسة الأمور الدينية فامتنع، واضطهد وأوذي، وقاطعه إخوة له كانوا من الموظفين، وقاومه أبوه، وهو مستمر في جهاده، عليهم جميعًا سحائب الرحمة والرضوان».
• الأستاذ أنور الجندي: «فهو الخطيب الذي يهز المشاعر والأرواح، ويسيطر على الجموع، وهو الكاتب الدقيق العبارة، النقي الأسلوب، الواضح الفكرة، وهو الصحفي والمدرس والرحالة».
وقال أيضا: «لم تصرفه الصحافة عن التدريس، وما من نظرية ظهرت في التربية والتعليم أو كشوف العلم والفكر إلا استوعبها، وأبدى رأيه فيها. وما من صحيفة في المشرق أو المغرب إلا نظر فيها واستخلص منها ما ينفع بني جنسه ووطنه ودعوته، وهو الذكي الفطن الفاهم لتيارات سياسة الغرب في الشرق، وما تحمل في أطوائها من زاوية دعوته ومن زاوية أمر العرب والمسلمين، ذلك إلى خبرة عميقة بالسياسة الاستعمارية في الجزائر يتعقب أخطاءها عن علم وبصيرة، ويفند مزاعم المستعمرين ما اتصل منها بالإسلام أم باللغة العربية أو بتفوق العنصر الأوروبي على العنصر العربي الإسلامي»
• المفكر الإسلامي «مالك بن نبي» كتب يقول: إن شخصية الشيخ تجمع في طياتها جوانب بلغت من التنوع والغنى مبلغا يجعل من قدرة الباحث – دوما – أن يتطرق إلى دراستها من زاوية تحرر الفكر من الظروف العرضية النسبية.
لقد كان ابن باديس مناظرا مفحما، ومربيا بناءا، ومؤمنا متحمسا، ومجتهدا يرجع إلى أصول الأيمان المذهبية، ويفكر في التوفيق بين هذه الأصول توفيقا غرب عن الأنظار إبان العصور الأخيرة للتفكير الإسلامي. وهو كذلك وطني مؤمن تصدى عام (1936م) لزعيم سياسي نشر مقالا عنوانه: «أنا فرنسا» فرد عليه ردا حاميا قويا. والشعور الوطني المتدفق يغدو لديه فيضا شعريا عندما ينظم قصائده التي قدر لها أن تعيد إلى الشعب الجزائري أبعاده الحقيقية في التاريخ الإسلامي في فترة كان أطفال الجزائر يدرسون ويتعلمون تاريخ «أجدادنا الغاليين».
وفوق ذلك فقد كان ابن باديس مصلحا اقترن اسمه وأثره بتاريخ هذا البلد في مرحلة سياسية كانت تعده «للثورة» وفي هذه الكلمة من المعاني أكثر مما تعودنا أن نفهم.
إنه المصلح الذي استعاد موهبة العالم المسلم كما كانت في عصر ابن تومرت بأفريقيا الشمالية، فقد كان المغرب يعيش على صورة ما حياة فترة العصر الذي وضعت له حدا نهائيا دعوى مهدي الأطلس المغربي وسيف عبد المؤمن.
نحن نعلم أن عصر المرابطين شهد انزلاق الضمير الإسلامي نحو النزعة الفقهية. أما ابن باديس فقد جاء في فترة جددت فيها النزعة الصوفية (المرابطية والطرقية) دورة المرابطين. وهنا موضع الخطورة، ذلك أن الحلقة لم تستأنف بالفقه والرباط، بل بالتميمة والزاوية.
ولم يستطع المصلح الجزائري أن يطمح إلى تأسيس امبراطورية تحرر الضمير. لقد تغير الزمان، فالإستعمار والقابلية للاستعمار غير كل المعطيات في الجزائر كما فعلا ذلك في سائر العالم الإسلامي. كانت الظروف تقتضي الرجوع في الإصلاح إلى السلف أدراجا: إذ لم يكن القيام بأي عمل في النظام السياسي أو الاجتماعي ممكنا قبل تحرير الضمير.
وكل مذهب الإصلاح الذي تجده في ابن باديس كان لا بد أن يصدر عن هذه الضرورة أو عن هذه المقتضيات الخاصة.
والمبدأ الأساسي القائل: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد:11] الذي كان أول خطوة في الإصلاح، يمكن أن يعتبر من زاوية ما ترجمة لهذه الضرورة في صيغة مذهبية.
أريد أن أتكلم عن الافتتاحية التي كانت تورد في مطلع كل عدد من مجلة «الشهاب» تحت عنوان «مجالس التذكير».
كان الشيخ يكتب هذه الافتتاحية دائما، وإنها لأثر العالم الداعية، المصلح الفذ.
ولا يفوتني أن أذكر أنه عندما كان ابن باديس يتغيب عن قسنطينة لسبب ما، كانت المجلة تظهر بدون هذه الفاتحة التي تكون حقا أم كل عدد من أعدادها. ولقد دامت هذه الفاتحة من عدد يناير (1929م) إلى عدد يوليو من سنة (1939م) على أبواب الحرب العالمية الثانية.
ولكي نستطيع الحكم على أهمية المذهبية والتعليمية يجب أن نحلل مجلسا من مجالسه، ويجب علينا أن لا ننسى بأن الشيخ علاوة على دوره في توجيه الرأي العام الجزائري، كان كذلك المعلم الذي يدرس في معهد تكون فيه كل قادة تعليمنا الحر، وحتى شعرائنا مثل محمد العيد آل خليفة.
بل إن الشيخ نفسه يقدم هذا التحليل في العناوين الفرعية التي كان يفتتح بها كل مجلس من مجالسه. فتحت العنوان يقدم الموضوعين الأساسيين: الآية – أو الآيات – والحديث موضوعي المجلس، تليهما بعد ذلك العناوين الفرعية الخاصة بكلا الموضوعين. وهكذا نجد على سبيل المثال في عدد يونيو (1930م) الآية: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15-16] وهي موضوع التفسير.
ويستخلص الشيخ من هذه الآية خمسة عشر عنوانا فرعيا كما يلي:
1. أدب واقتداء.
2. بأنه لهم، حجة عليهم.
3. تمثيل.
4. أدب واقتداء.
5. نعمة الإظهار والبيان بالرسول والقرآن.
6. محمد  والقرآن نور وبيان.
7. استفادة.
8. اقتداء.
9. الهداية ونعمها.
10. بماذا تكون الهداية.
11. لمن تكون الهداية.
12. إلى ماذا تكون الهداية.
13. الإخراج من حالة الحيرة إلى حالة الاطمئنان.
14. الإسلام هو السبيل الجامع العام.
15. الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله لازم دائم.
وإذا طبقنا تحليلنا الخاص على هذا الموضوع رأينا الشيخ قد أمدنا من خلال تفسير هذه الآية بصورة ما بطيف ذاته. فالذي تكلم إنما هو الذاب عن الدين، والناقد الاجتماعي، والعالم المحقق، والمصلح، كل بدوره. ولا يفوتني أن أذكر أن غنى هذه الذات ليس محصورا كله في فعل واحد من أفعال هذا الفكر وهذه السيرة اللذين بعثا الحياة في فترة من تاريخنا الوطني.
وعلى القارئ أن لا ينسى أن ابن باديس مثقف يعيش مأساة مجتمع وحضارته على طريقته الخاصة. فعندما قام بطبع كتاب «العواصم من القواصم» لأبي بكر بن العربي (468 هـ – 543 هـ) على نفقته كانت هذه الطبعة – رغم ثغراتها – تأكيدا لشخصية تعمل على الصعيد التاريخي لحضارة ما.
• الشيخ الألباني: هذا ما قاله الشيخ العلامة ناصر الدين الألباني رحمه الله يثني على تفسير ابن باديس رحمه الله تعالى: «…ومما يذكر في هذا الحديث قوله: «ما أبكي شوقا إلى جنتك، و لا خوفا من النار»! فإنها فلسفة صوفية، اشتهرت بها رابعة العدوية، إن صح ذلك عنها، فقد ذكروا أنها كانت تقول في مناجاتها: «رب! ما عبدتك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك». وهذا كلام لا يصدر إلا ممن لم يعرف الله تبارك وتعالى حق معرفته، ولا شعر بعظمته وجلاله، ولا بجوده وكرمه، وإلا لتعبده طمعا فيما عنده من نعيم مقيم، ومن ذلك رؤيته تبارك وتعالى وخوفا مما أعده للعصاة والكفار من الجحيم والعذاب الأليم، ومن ذلك حرمانهم النظر إليه كما قال: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:15]، ولذلك كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام – وهم العارفون بالله حقا – لا يناجونه بمثل هذه الكلمة الخيالية، بل يعبدونه طمعا في جنته – وكيف لا وفيها أعلى ما تسمو إليه النفس المؤمنة، وهو النظر إليه سبحانه، ورهبة من ناره، ولم لا وذلك يستلزم حرمانهم من ذلك، ولهذا قال تعالى بعد ذكر نخبة من الأنبياء: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:90]، ولذلك كان نبينا محمد  أخشى الناس له، كما ثبت في غير ما حديث صحيح عنه. هذه كلمة سريعة حول تلك الجملة العدوية، التي افتتن بها كثير من الخاصة فضلا عن العامة، وهي في الواقع ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:39]، وكنت قرأت حولها بحثا فياضا ممتعا في «تفسير العلامة ابن باديس» فليراجعه من شاء زيادة بيان .
• الدكتور محمد قاسم [مفكر مصري]: «لقد وضع ابن باديس خطة على أساس مبتكر تتلخص في أن يحاصر فرنسا في رفق وعزم صارم، في الوقت الذي تظن هي فيه أنها تحاصر الجزائر. ولم تفطن فرنسا إلى مهارة هذه الخطة إلا بعد فوات الوقت، فوجدت نفسها محاصرة، بعد أن نحّى ابن باديس أعوانها طائفة بعد أخرى. وكان من الضروري أن يفلح في تنفيذ خطته بعيدة المدى، وهي القيام بانقلاب جذري يرتكز في المقام الأول والأخير على إعداد جيل صالح ينهض نهضة إسلامية عربية، بحيث يأخذ من عظمة الماضي ومن يقظة الحاضر، ما يعصمه من الزلل والانحراف، ويسير به في طريق المستقبل المشرق».
محاولة اغتيال ابن باديس
كانت الحملات في الصحافة الإصلاحية وخاصة في «الشهاب» متوالية على الخرافات والأباطيل، وعلى المبتدعة و المضللين، واشترك في الكتابة فحول العلماء والمفكرين في الجزائر وتونس والمغرب، وكان من أشدهم عنفا على الطريقة العليوية وشيخها المتهم بالحلول ووحدة الوجود، كاتب يمضي مقالاته باسم «بيضاوي» فحاول العليويون معرفة هذا الكاتب، ولكن إدارة «الشهاب» أبت الكشف عنه، كما كان الشيخ ابن باديس قد ألف رسالة علمية يرد فيها على الشيخ ابن عليوة لسوء أدبه مع النبي  وعلى بعض شطحاته الحلولية المنافية للعقيدة الإسلامية، ولأهمية هذه الرسالة قرضها أهم كبار علماء الجزائر وتونس والمغرب.
وهكذا تحرك غيض العلويين، فقرروا الفتك بابن باديس فعقدوا اجتماعا في «مستغانم» واتفقوا فيه أن يغتالوا الشيخ المصلح، وأرسلوا من ينفذ هذه الخطة، وفي قسنطينة شرع هذا الشخص الموفد مع بعض مساعديه يترصدون الشيخ لمعرفة مسكنه وتحركاته وأوقاته، وفي يوم 9 جمادى الثانية (1341هـ) الموافق ليوم (14/12/1926م) عندما كان عائد إلى بيته في منتصف الليل بعد انتهائه من دروسه في المسجد، أقدم الجاني على تنفيذ محاولته الآثمة، ولما دنا منه هوى عليه بهراوة وأصابه بضربتين على رأسه وصدعه، فشج رأسه وأدماه، لكن الشيخ أمسك به ونادى النجدة وحاول المجرم أن يسل خنجرا من نوع «البوسعادي» ليجهز على الشيخ، ولكن الله نجاه، بفضل جماعة النجدة التي قبضت عليه، وأرادت الفتك به، فمنعهم الشيخ، عند ذلك ساقوه إلى الشرطة فأوقفته وفتشته فوجدت عنده سبحة وتذكرة ذهاب وإياب بتاريخ ذلك اليوم، «من مستغانم إلى قسنطينة» زيادة عن الموسى والعصا، فأودعته السجن ثم قدمته للمحاكمة فنال جزاءه، وصدر في شأنه الحكم بخمس سنوات سجنا.
رغم أن ابن باديس عفا عنه في المحكمة قائلا: إن الرجل غرر به، لا يعرفني ولا أعرفه، فلا عداوة بيني وبينه، أطلقوا سراحه، ولكن الزبير بن باديس المحامي (شقيق الشيخ المعتدي عليه) قام باسم العائلة يدافع عن شرفها، ويطالب بحقها في تنفيذ الحكم قائلا: إن أخي بفعل الصدمة لم يعد يعي ما يقول إلى غير ذلك مما جرى في المحاكمة.
الرحيل
لقد عاش الشيخ عبد الحميد بن باديس للفكرة والمبدأ ومات وهو يهتف «فإذا هلكت فصيحتي تحيا الجزائر والعرب» لم يحد عن فكرته ومبدئه قيد أنملة حتى آخر رمق من حياته، ولم يبال بصحته الضعيفة التي تدهورت كثيرا في السنتين الأخيرة من حياته، هذا هو ابن باديس الذي عرفته الجزائر عالما عاملا، وفقيها مجتهدا، ومربِّيا مخلصا، ومصلحا، وسياسيا، وإماما كان يقضي بياض نهاره وسواد ليله في خدمة دينه ولغته وبلاده. هذا هو الرجل الذي كان قلب الجزائر النابض، وروحها الوثابة وضميرها اليقظ، وفكرها المتبصر، ولسانها المبين، لم يضعف أمام هجمات الاستعمار المتتالية، ولم يستسلم لمناوراته وتهديداته، ولا للإغراءات والمساومات، بل بقي ثابتا على مبادئه صامدا حتى آخر حياته.
مساء يوم الثلاثاء 8 ربيع الأول سنة (1359هـ)، الموافق 16 أبريل (1940م)، على الساعة الثانية والنصف بعد الزوال أسلم ابن باديس روحه الطاهرة لبارئها، متأثرًا بمرضه بمسقط رأسه مدينة قسنطينة، وكان محاطا بوالده وشقيقه الأكبر «الزبير» والطبيب الفرنسي القادم من العاصمة «ليفي فالونزي» وابن خاله الطبيب القسنطيني الشهير «بن جلول»، وقد مات رحمه الله ولم تكن في رأسه شعرة بيضاء واحدة.
ولما أعلن البرّاح في الناس خبر وفاته اهتزّت أوجاع تلاميذه ومساعديه في مهنة التعليم والمتاعب، وعندما شاع خبر وفاته في الجزائر بكاه أبناء الوطن بكاءا حارا كما بكاه عارفوه، ومقدرو علمه، وجهاده، في سبيل الجزائر والإسلام، والعروبة، في كل من المغرب وتونس وليبيا، والمشرق العربي والعالم الإسلامي.
وقد شيعت جنازته في اليوم التالي لوفاته الموافق عصر يوم الأربعاء 9 ربيع الأول سنة (1359هـ) ، الموافق 17 أبريل (1940م)، وحمل جثمانه إلى مثواه الأخير طلبة الجامع الأخضر دون غيرهم وسط جموع غفيرة ما يزيد عن مائة ألف نسمة، جاءوا من كافة أنحاء القطر الجزائري لتوديعه الوداع الأخير، في حين كان عدد سكان قسنطينة آنذاك لا يتجاوز 50 ألف نسمة. وقد تولى أداء الصلاة على جنازته الشيخ العربي التبسي، كما تولى تأبينه كل من الشيخ مبارك الميلي والعربي التبسي والدكتور محمد الصالح بن جلول يجدر، ودفن في مقبرة آل باديس الخاصة في مدينة قسنطينة رغم وصيته التي أوصى فيها بدفنه في مقبرة شعبية عامة.
وقد تركت وفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس فراغا كبيرا في صفوف الحركة الوطنية، وفي رجال الإصلاح الإسلامي في الجزائر وغيرها، وبين جماهير الشعب التي كانت تعتبره الزعيم المخلص، والوطني الغيور على دينه، ولغته، وشعبه، ووطنه، وعلى الإسلام والعروبة، بصفة خاصة، وقد قال الشيخ الشهيد العربي بن بلقاسم التبسي في تأبينه في المقبرة ما يلي: «لقد كان الشيخ عبد الحميد بن باديس في جهاده وأعماله، هو الجزائر كلها فلتجتهد الجزائر بعد وفاته أن تكون هي الشيخ عبد الحميد بن باديس».
هذا وحامت الأقاويل حول موته، فمن قائل مات مسموماً كما زعمت إذاعة ألمانيا «هنا برلين» يوم 9 مايو (1940م) على لسان «تقي الدين الهلالي»: «أن السلطات الفرنسية في الجزائر هي المسؤولة على وفاته، وقد ذكرت أنه مات مسموما على أيدي الفرنسيين، كما فعلوا بمعظم العلماء، الذين ما يزال بعضهم يعاني في ظلمات السجون، وأن الطغاة الفرنسيين أرادوا تسميمه، وقد قتلوا جميع الزعماء من قبله والشعب الجزائري اليوم يطالب لفديته، وسينتقم له عاجلا أو آجلا» وربما هذا ما يفسر اختفاء الشيخ العربي التبسي ووفاة الشيخ الميلي والطيب بأمراض مجهولة.
ومن قائل أنه مات بسبب مرض، فيقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي: «بعد استقراري في المنفى بأسبوع تلقيت الخبر بموت الشيخ عبد الحميد بن باديس – رحمه الله – بداره في قسنطينة بسرطان في الأمعاء كان يحس به وسنوات ويمنعه انهماكه في التعليم وخدمة الشعب من التفكير فيه وعلاجه…وكانت قد بدأت نذر الحرب تظهر وغيومها تتلبد، أجتمع بالشيخ أبن باديس في داري بتلمسان فقررنا ماذا نصنع إذا قامت الحرب، وقررنا من يخلفنا إذا قبض علينا، قلّبنا وجوه الرأي في الاحتمالات كلها، وقدرنا لكل حالة حكمها، وكتبنا بكل ما اتفقنا عليه نسختين، ولكن كانت الأقدار من وراء تدبيرنا، فقبضه الله إليه».
كما أشار ابن جلول وهو من بين المأبنين البارزين للشيخ ابن باديس وابن خاله إلى مرض ابن باديس الذي ظل مجهولا حتى عند أقرب الناس إليه فيقول: «وبحكم مهنتي كطبيب تشرفت ببذل المعالجة له خلال مرضه الأخير، الذي قضى عليه ولم يرض بالتوجه إلي ومنحي ثقته لمعالجته إلا بعد أن فطنا له مرهق منذ عهد بعيد، وأن مشيه من مكتبه إلى الجمعية، إلى الجامع الأخضر قد أصبح مضنيا بالنسبة إليه، وقد بذلت ما في وسعي لكسب ثقته، وبذل الشفاء له، ويا أسفاه فالمرض قد كان يمخر جسمه شيئا فشيئا».
ويقول ابن جلول: أن ابن باديس بلغ منه التعب والإرهاق مبلغا جعله في آخر أيامه لا يقوى على تجاوز مسافة تقدر بمئتي متر على قدميه نظرا لتمكن المرض من جسمه النحيف المتهالك، فكان مرقده إلى جوار حجرة دروسه ولما أنهكه العيي، وهو الذي قاومه خمسين سنة، أذن لطلابه لأول مرة في حياته منحهم خمسة عشر يوما كعطلة بمناسبة المولد النبوي بعدما عرف عنه أنه لم يكن يقبل بأكثر من ثلاثة أيام كتوقف عن التحصيل، ولما أظهر طلابه المتعلقون به تعجبهم من هذا التسريح الذي يدوم نصف شهر، أجابهم بلغة يائسة وألم يمزق أحشاءه وحسرة تعتصر قلبه:«إنني متهالك…إنني مريض للغاية فاعذروني» فلم يعلن رجل كابن باديس أنه انهار فمعنى ذلك أن في الأمر ما يدفع إلى التساؤل عن كيفية الرعاية التي كان يحظى بها في مدينة قسنطينة وأعني بذلك الرعاية الصحية والغذائية والنفسية.
ومن قائل أنه مات موتة طبيعية، وهو ما يؤكده الأستاذ عبد الحق أخو الشيخ بن باديس: «كان ابن باديس نحيف الجسم، ولم يكن يُعطي لنفسه قسطا من الراحة، فيومه يبدأ مع صلاة الصبح، ولا ينتهي إلا في ساعة متأخرة من الليل، وهذا لمدة 25 سنة قضاها بأيامها ولياليها في التدريس والتفسير، وإلقاء المحاضرات ودروس الوعظ والإرشاد، والكتابة في الصحافة، وإدارة الأعمال الإدارية وكثرة السفر حيث كان يستقل قطار (قسنطينة – الجزائر) كل مساء أربعاء ليعود مساء كل جمعة، وزادت حصصه التدريسية اليومية لترتفع إلى ثلاث حصص في اليوم.. ومع أنه لم يكن يعاني من أي مرض حتى أنه لم يلبس في حياته نظارات طبية ولم يشتكي من تسوس أسنانه إلا أنه رقد في فراش المرض في 14 أبريل (1940م) وعلى مدى ثلاثة أيام لم يستطع مغادرة فراشه فكان يقوم بتمريضه من ضعفه وشحوبه والده وشقيقته «بتول» طوال النهار ويتولى «عبد الحق» السهر معه ليلا، فالإرهاق والتعب والزهد في الحياة، وثقل المسئولية التي كانت يشعر بها تجاه الأمة الجزائرية هي السبب المباشر لوفاته عندما حان وقت تسليم الروح إلى خالقها».
– ولا يعلم الحقيقة إلا الله – وذلك شأن الناس عند موت كل عظيم.

وصف حي لشاهد معاصر
لجنازة الشيخ عبد الحميد بن باديس
يعتبر الشيخ «أحمد بوشمال» بمثابة الساعد الأيمن للشيخ عبد الحميد بن باديس في حركته الإصلاحية (1913 – 1940)، وأمين سره، إلى جانب ذلك فهو مدير مطبعة «الشهاب» المسمات المطبعة الجزائرية الإسلامية بقسنطينة.
وقد بعث الشيخ أحمد بوشمال، الرسالة التالية إلى الشيخ أحمد بن بوزيد قصبة، أحد رجالات الحركة الإصلاحية في مدينة «لغواط» وضواحيها، من جنوب جزائرنا الشاسع الأطراف.
وموضوع الرسالة المذكورة هو وصف حي لوفاة رائد النهضة الإسلامية العربية في الجزائر المعاصرة، وتاريخ وفاته، والجماهير الغفيرة التي سارت في جنازته، إلى المقبرة، والتي قدرتها الرسالة فيما بين خمسين وسبعين ألف.

المصدر
http://www.alukah.net/books/files/book_2618/bookfile/ibn%20badis.doc

التعليقات مغلقة.